البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٤ - قصة صالح (عليه السلام) نبي ثمود
و قد ذكر المفسرون ان ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول اللَّه صالح فدعاهم الى اللَّه و ذكرهم و حذرهم و وعظهم و أمرهم فقالوا له ان أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة و أشاروا الى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت و كيت و ذكروا أوصافا سموها و نعتوها و تعنتوا فيها و أن تكون عشراء طويلة من صفتها كذا و كذا فقال لهم النبي صالح (عليه السلام) أ رأيتم ان أجبتكم الى ما سألتم على الوجه الّذي طلبتم أ تؤمنون بما جئتكم به و تصدقوني فيما أرسلت به. قالوا نعم فاخذ عهودهم و مواثيقهم على ذلك ثم قام الى مصلاه فصلى للَّه عز و جل ما قدر له ثم دعا ربه عز و جل أن يجيبهم الى ما طلبوا فأمر اللَّه عز و جل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب الّذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما و منظرا هائلا و قدرة باهرة و دليلا قاطعا و برهانا ساطعا فآمن كثير منهم و استمر أكثرهم على كفرهم و ضلالهم و عنادهم و لهذا قال (فَظَلَمُوا بِها) أي جحدوا بها و لم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم. و كان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس. و كان من رؤسائهم و هم بقية الأشراف بالإسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد و الخباب صاحبا أوثانهم و رباب بن صمعر بن جلمس و دعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة و كان من اشرافهم فهم بالإسلام فنهاه أولئك فمال اليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل (رحمه اللَّه)
و كانت عصبة من آل عمرو* * * الى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا* * * فهم بأن يجيب و لو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا* * * و ما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
و لكن الغواة من آل حجر* * * تولوا بعد رشدهم ذآبا
[١] و لهذا قال لهم صالح (عليه السلام) (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أضافها للَّه سبحانه و تعالى اضافة تشريف و تعظيم كقوله بيت اللَّه و عبد اللَّه لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم و ترد الماء يوما بعد يوم و كانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم و يقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم و لهذا «قال لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» و لهذا قال تعالى إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ أي اختبارا لهم أ يؤمنون بها أم يكفرون و اللَّه أعلم بما يفعلون (فَارْتَقِبْهُمْ) أي انتظر ما يكون من أمرهم (وَ اصْطَبِرْ) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية (وَ نَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم و اتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها و يتوفر عليهم ماؤهم و زين لهم الشيطان
[١] كذا بالأصل و في العرائس ذبابا و في نسخة فولوا بدل تولوا