البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم اللَّه عنهم
فرسا فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أي من أثر فرس جبريل. و قد ذكر بعضهم أنه رآه و كلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر و أعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان و لهذا قال فَنَبَذْتُها وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي. قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ و هذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه. هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال وَ إِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ و قرئ لن نخلفه وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً قال فعمد موسى (عليه السلام) الى هذا العجل فحرقه بالنار كما قاله قتادة و غيره. و قيل بالبارد كما قاله على و ابن عباس و غيرهما و هو نص أهل الكتاب ثم ذراه في البحر و أمر بنى إسرائيل فشربوا فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه و قيل بل اصفرت ألوانهم ثم قال تعالى اخبارا عن موسى أنه قال لهم إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ و هكذا وقع و قد قال بعض السلف وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ مسجلة لكل صاحب بدعة الى يوم القيمة. ثم أخبر تعالى عن حلمه و رحمته بخلقه و إحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب اليه بتوبته عليه فقال وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَ آمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لكن لم يقبل اللَّه توبة عابدى العجل إلا بالقتل كما قال تعالى وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فيقال إنهم أصبحوا يوما و قد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف و القى اللَّه عليهم ضبابا حتى لا يعرف القريب قريبه و لا النسيب نسيبه. ثم مالوا على عابديه فقتلوهم و حصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا. ثم قال تعالى وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ استدل بعضهم بقوله و في نسختها على انها تكسرت و في هذا الاستدلال نظر و ليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت و اللَّه أعلم. و قد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر و ما هو ببعيد لأنهم حين خرجوا قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ.
و هكذا عند أهل الكتاب فان عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس و ذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف. ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة. وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ