البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم اللَّه عنهم
به كما قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ أي أختبرتم و لهذا قال تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أي من شئت أضللته باختبارك إياه و من شئت هديته* لك الحكم و المشيئة و لا مانع و لا راد لما حكمت و قضيت أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي تبنا إليك و رجعنا و أنبنا قاله ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير و أبو العالية و إبراهيم التيمي و الضحاك و السدي و قتادة و غير واحد و هو كذلك في اللغة. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أخلقها و أقدرها وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كما ثبت
في الصحيحين عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال (ان اللَّه لما فرغ من خلق السموات و الأرض كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش ان رحمتي تغلب غضبى
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ أي فسأوحيها حتما لمن يتصف بهذه الصفات الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ الآية و هذا فيه تنويه بذكر محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمته من اللَّه لموسى (عليه السلام) في جملة ما ناجاه به و أعلمه و أطلعه عليه* و قد تكلمنا على هذه الآية و ما بعدها في التفسير بما فيه كفاية و مقنع و للَّه الحمد و المنة. و قال قتادة قال موسى يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر رب اجعلهم أمتى قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتى. قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها و كان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا و لم يعرفوه و ان اللَّه أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا عن الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال تلك امة احمد قال رب إني أجد في الألواح امة يؤمنون بالكتاب الأول و بالكتاب الآخر و يقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي. قال تلك امة احمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم و يؤجرون عليها و كان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث اللَّه عليها نارا فأكلتها و ان ردت عليه تركت فتأكلها السباع و الطير و ان اللَّه أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال رب فاجعلهم أمتى. قال تلك أمة أحمد. قال رب فانى أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف قال رب اجعلهم أمتى قال تلك أمة احمد قال رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتى قال تلك أمة أحمد* قال قتادة فذكر لنا أن موسى (عليه السلام) نبذ الألواح و قال اللَّهمّ اجعلني من أمة أحمد. و قد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى (عليه السلام) و أوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها و نحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث و الآثار بعون اللَّه و توفيقه و حسن هدايته و معونته و تأييده.