البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ) هذا إكرام عظيم من اللَّه تعالى لآدم حين خلقه بيده و نفخ فيه من روحه كما قال (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) فهذه أربع تشريفات خلقه له بيده الكريمة و نفخه فيه من روحه. و أمره الملائكة بالسجود له و تعليمه أسماء الأشياء و لهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو و إياه في الملأ الأعلى و تناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الّذي خلقك اللَّه بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته و علمك أسماء كل شيء. و هكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم و كما سيأتي ان شاء اللَّه تعالى و قال في الآية الأخرى وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* قال الحسن البصري قاس إبليس و هو أول من قاس* و قال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس و ما عبدت الشمس و لا القمر الا بالمقاييس* رواهما ابن جرير و معنى هذا انه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه و بين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له و لسائر الملائكة بالسجود.
و القياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار* ثم هو فاسد في نفسه فان الطين أنفع و خير من النار فان الطين فيه الرزانة و الحلم و الأناة و النمو و النار فيها الطيش و الخفة و السرعة و الإحراق* ثم آدم شرفه اللَّه بخلقه له بيده و نفخه فيه من روحه* و لهذا أمر الملائكة بالسجود له* كما قال (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ) استحق هذا من اللَّه تعالى لانه استلزم تنقصه لآدم و ازدراؤه به و ترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي و معاندة الحق في النص على آدم على التعيين و شرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا- و كان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً* قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا* قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً* وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) و قال في سورة الكهف وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعة اللَّه عمدا و عنادا و استكبارا عن امتثال أمره و ما ذاك الا لأنه خانه طبعه و مادته الخبيثة أحوج ما كان اليها فإنه مخلوق من نار كما قال و كما قدرنا
في