البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
حَتَّى حِينٍ. وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ. قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. وَ قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ. وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ. يذكر تعالى عن العزيز و امرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأى بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه الى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية و أحمد لأمرها و ليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما و عدوانا. و كان هذا مما قدر اللَّه له* و من جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم و مخالطتهم* و من هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعيّ أن من العصمة أن لا تجد قال اللَّه وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قيل كان أحدهما ساقى الملك و اسمه فيما قيل بنو. و الآخر خبازه يعنى الّذي يلي طعامه و هو الّذي يقول له الترك (الجاشنكير) و اسمه فيما قيل مجلث كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما* فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته و هديه و دله و طريقته و قوله و فعله و كثرة عبادته ربه و إحسانه الى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه* قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة* أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة و قد أورقت و أينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك و سقاه* و رأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز و ضوارى الطيور تأكل من السل الأعلى فقصاها عليه و طلبا منه أن يعبرهما لهما و قالا (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و (قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما)* قيل معناه مهما رأيتما من حلم فانى أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول* و قيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى (وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) و قال لهما إن هذا من تعليم اللَّه إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل و إسحاق و يعقوب (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا) أي بأن هدانا لهذا (وَ عَلَى النَّاسِ) أي بان أمرنا أن ندعوهم اليه و نرشدهم و ندلهم عليه و هو في فطرهم مركوز و في جبلتهم مغروز (وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)* ثم دعاهم الى التوحيد و ذم عبادة ما سوى اللَّه عز و جل و صغر أمر الأوثان و حقرها و ضعف أمرها فقال (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ