البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
به مكنا له في أرض مصر (وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) أي فهمها. و تعبير الرؤيا من ذلك (وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا و أمورا لا يهتدى اليها العباد و لهذا قال تعالى وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. فدل على أن هذا كله كان و هو قبل بلوغ الأشد. و هو حد الأربعين الّذي يوحى اللَّه فيه الى عباده النبيين عليهم الصلاة و السلام من رب العالمين.
و قد اختلفوا في مدة العمر الّذي هو بلوغ الأشد فقال مالك و ربيعة و زيد بن أسلم و الشعبي هو الحلم. و قال سعيد بن جبير ثماني عشرة سنة. و قال الضحاك عشرون سنة و قال عكرمة خمس و عشرون سنة. و قال السدي ثلاثون سنة. و قال ابن عباس و مجاهد و قتادة ثلاث و ثلاثون سنة. و قال الحسن أربعون سنة. و يشهد له قوله تعالى حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. (وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ. وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ. قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ). يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف (عليه السلام) عن نفسه و طلبها منه ما لا يليق بحاله و مقامه و هي في غاية الجمال و المال و المنصب و الشباب و كيف غلقت الأبواب عليها و عليه و تهيأت له و تصنعت و لبست أحسن ثيابها و أفخر لباسها و هي مع هذا كله امرأة الوزير* قال ابن إسحاق و بنت أخت الملك [١] الريان بن الوليد صاحب مصر. و هذا كله مع أن يوسف (عليه السلام) شاب بديع الجمال و البهاء إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء. و حماه عن مكر النساء. فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء. المذكورين
في الصحيحين عن خاتم الأنبياء. في قوله عليه الصلاة و السلام من رب الأرض و السماء (سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.
و رجل ذكر اللَّه خاليا ففاضت عيناه. و رجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه.
و رجلان تحابا في اللَّه اجتمعا عليه و تفرقا عليه. و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه و شاب نشأ في عبادة اللَّه. و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف اللَّه)
و المقصود أنها دعته اليها و حرصت على ذلك أشد الحرص فقال (مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي) يعنى زوجها
[١] في النسختين الموجودتين بالمكتبة المصرية أخ الملك