البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٩ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
امهت و كنت لا أنسى حديثا* * * كذاك الدهر يزرى بالعقول
فقال لقومه و للملك (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ) أي فأرسلونى الى يوسف فجاءه فقال (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) و عند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي استدعاه الى حضرته و قص عليه ما رآه ففسره له و هذا غلط و الصواب ما قصه اللَّه في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من قراى و ربان. فبذل يوسف (عليه السلام) ما عنده من العلم بلا تأخر و لا شرط و لا طلب الخروج سريعا بل أجابهم الى ما سألوا و عبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب و يعقبها سبع جدب. (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) يعنى يأتيهم الغيث و الخصب و الرفاهيّة (وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ) يعنى ما كانوا يعصرونه من الاقصاب و الأعناب و الزيتون و السمسم و غيرها فعبر لهم. و على الخير دلهم و أرشدهم الى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم و جدبهم و ما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في السبع الأول في سنبله الا ما يرصد بسبب الأكل و من تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل* و هذا يدل على كمال العلم و كمال الرأى و الفهم.
(وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ. قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ* وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة و السلام و تمام عقله و رأيه السديد و فهمه أمر بإحضاره الى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما و عدوانا و أنه بريء الساحة مما نسبوه اليه بهتانا (قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ يعنى الملك (فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب الى أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي و حثهن لي على الأمر الّذي ليس برشيد و لا سديد. فلما سئلن عن ذلك أعرفن بما وقع من الأمر و ما كان منه من الأمر الحميد (و قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) فعند ذلك (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) و هي زليخا (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي ظهر و تبين و وضح و الحق أحق أن يتبع (أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) أي فيما يقوله من انه بريء و انه لم يراودني و أنه حبس ظلما و عدوانا و زورا و بهتانا.
و قوله (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) قيل إنه من كلام يوسف أي انما