البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
و قد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها* و عند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق و هو أشبه و اللَّه أعلم. (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ. قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ. قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ. فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ. وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم الى أبيهم* و قولهم له (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) أي بعد عامنا هذا ان لم ترسل معنا أخانا فان أرسلته معنا لم يمنع منا (وَ لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي) أي أي شيء نريد و قد ردت إلينا بضاعتنا (وَ نَمِيرُ أَهْلَنا) أي نمتار لهم و نأتيهم بما يصلحهم في سنتهم و محلهم (وَ نَحْفَظُ أَخانا وَ نَزْدادُ) بسببه (كَيْلَ بَعِيرٍ) قال اللَّه تعالى ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر و كان يعقوب (عليه السلام) أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه و يتسلى به عنه و يتعوض بسببه منه فلهذا قال (لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) أي الا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) أكد المواثيق و قرر العهود و احتاط لنفسه في ولده و لن يغنى حذر من قدر.
و لو لا حاجته و حاجة قومه الى الميرة لما بعث الولد العزيز و لكن الأقدار لها أحكام و الرب تعالى يقدر ما يشاء و يختار ما يريد و يحكم ما يشاء و هو الحكيم العليم. ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد و لكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين و ذلك لأنهم كانوا أشكالا حسنة و صورا بديعة قاله ابن عباس و مجاهد و محمد بن كعب و قتادة و السدي و الضحاك* و قيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي. و الأول أظهر و لهذا قال (وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) و قال تعالى وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و عند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية الى العزيز من الفستق و اللوز و الصنوبر و البطم و العسل و أخذوا الدراهم الأولى و عوضا آخر (وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ