مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٤٦ - تمهيد
فإذا الغيب على قسمين: منه ما هو عين واجب الوجود بحيث لم يكن صادرا عن علة غير ذات فاطر السماوات و الأرضين و منه ما كان صادرا عن علة و متوقفا على وجود الفيض الالهي و هو ما كان موجودا في الأنبياء و الأوصياء و إلى هذا الذي قررناه تنبه العلامة الآلوسي المفسر فإنه عند قوله تعالى: قُلْ لاََ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ قال لعل الحق أن يقال إن علم الغيب للنفي عن غيره جل و علا هو ما كان للشخص بذاته أي بلا وساطة في ثبوته له و ما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفي في شيء و إنما هو من الواجب عز و جل أفاضه منه عليهم بوجه من الوجوه فلا يقال إنهم علموا الغيب بذلك المعنى فإنه كفر بل يقال إنهم أظهروا و أطلعوا على الغيب [١] .
و يشهد له ما جاء عن أبي جعفر الجواد ٧ فإنه لما أخبر أم الفضل بنت المأمون بما فاجأها مما يعتري النساء عند العادة قالت له: لا يعلم الغيب إلا اللّه، قال ٧: و أنا أعلمه من علم اللّه تعالى [٢] .
فالأئمة محتاجون في جميع الأوقات إلى الفضل الالهي بحيث لو لا دوام الاتصال و تتابع الفيوضات لنفد ما عندهم على حد تعبير الإمام أبي عبد اللّه الصادق فإنه قال: لو لا أنا نزداد في كل ليلة جمعة لنفد ما عندنا [٣] و مراده التعريف بأن علمهم مجعول من الباري تعالى و أنهم في حاجة إلى استمرار ذلك الفيض الأقدس و تتابع الرحمات السبحانية و التخصيص بليلة الجمعة من جهة بركتها بنزول الالطاف الربانية فيها من أول الليل إلى آخره على العكس من سائر الليالي و إلى هذا يرجع قول الرضا ٧: يبسط لنا العلم فنعلم و يقبض عنا فلا نعلم [٤] .
و هل يشك من يقرأ في سورة الجن: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلىََ غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضىََ مِنْ رَسُولٍ أن من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى هو خاتم الأنبياء الرسول المرتضى لأنه لم يفضله أحد من الخلق و كان أبو جعفر يقول: كان
[١] روح المعاني ج ٢٠ ص ١١.
[٢] البحار ج ١٢ ص ٢٩ ط كمپاني عن مشارق الأنوار للبرسي.
[٣] أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج ١ ص ١٨٥.
[٤] مختصر البصائر ص ٦٣.