مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٢٩٠ - الوداع الثاني
الوداع الثاني
ثم إنه ٧ ودع عياله ثانيا و أمرهم بالصبر و لبس الأزر و قال: استعدوا للبلاء و اعلموا أن اللّه تعالى حاميكم و حافظكم و سينجيكم من شر الأعداء و يجعل عاقبة أمركم إلى خير و يعذب عدوكم بأنواع العذاب و يعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم و الكرامة فلا تشكوا و لا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم [١] .
حقا لو قيل بأن هذا الموقف من أعظم ما لاقاه سيد الشهداء في هذا اليوم [٢] فإن عقائل النبوة تشاهد عماد أخبيتها و سياج صونها و حمى عزها و معقد شرفها مؤذنا بفراق لا رجوع بعده فلا يدرين بمن يعتصمن من عادية الأعداء و بمن العزاء بعد فقده!فلا غرو إذا اجتمعن عليه و احطن به و تعلقن بأطرافه بين صبي يئن و والهة أذهلها المصاب و طفلة تطلب الأمن و أخرى تنشد الماء!إذا فما حال سيد الغيارى و مثال الحنان و هو ينظر «بعلمه الواسع» إلى ودائع الرسالة و حرائر بيت العصمة و هن لا يعرفن إلا سجف العز و حجب الجلال، كيف يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعولة مشجية و هتاف يفطر الصخر الأصم و زفرات متصاعدة من أفئدة حرى!فإن فررن فعن السلب و إن تباعدن فمن الضرب و لا محام لهن غير الإمام الذي انهكته العلة:
فلو أن أيوبا رأى بعض ما رأى # لقال بلى هذا العظيمة بلواه
اما عقيلة بني هاشم «زينب الكبرى» فإنها تبصر هذا و ذاك فتجد عروة الدين
[١] جلاء العيون للمجلسي بالفارسية، و هنا شيء لم يتنبه له أحد و هي إرادة بيان أمرين عدم القتل و عدم السلب فإن تعليل لبس الأزر بالحماية و المحافظة مع أن أحدهما كاف في التعريف بأن اليد العادية لا تمد إليهم، يكون الاتيان بهما مع بعد غرض بلوغه أعلى مراتب البلاغة دليل على أن المقصود من أحدهما بيان عدم السلب و من الثاني عدم القتل.
[٢] هذا هو الظاهر من وصية الصديقة الزهراء للمجلسي أعلى اللّه مقامه بقراءته مصيبة ولدها عند الوداع. كما ذكره النوري في دار السلام ج ١.