مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ١٠١ - التباكي
كالتغافل و التجاهل و التواجد، و قد انكره قوم لمن فيه من التكلف و التصنع و اجازه قوم لم يقصد به تحصيل الصفة و الأصل فيه قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: إن لم تبكوا فتباكوا، أراد به التباكي ممن هو مستعد للبكاء لا تباكي الغافل اللاهي [١] .
فالباكي و المتباكي مشتركان في احتراق القلب و تأثر النفس لأجل تصور ما ورد من الظلم على أهل البيت : و مشتركان في لازمه و هو النفرة و التباعد عن كل من دفعهم عن مقامهم.
و من لا يفقه مغازي كلام المعصومين يحكم بالرياء على المتباكي و بعد ما أوضحنا من السر تعرف قيمة البلاغة و قدر البلغاء.
و كم لأهل البيت : من أسرار غامضة لا يقف عليها إلا من مارس كلامهم و درس مقتضيات الأحوال، فإنهم لم يزالوا يتحرون الوسائل الدقيقة لتوجيه النفوس نحوهم و تعريف ما لهم من حق مغصوب.
فمن ذلك ما أوصى به الإمام الباقر ٧ باعطاء ثمانمائة درهم لنوادب يندبنه بمنى أيام الموسم [٢] .
فإنك إذا عرفت أن الناس من مختلف الاقطار و المذاهب يجتمعون في منى أيام الحج و قد احلوا من كل ما حرم عليهم إلا النساء و أنها أيام عيد و تزاور فتعقد هنالك حفلات المسرة و نوادي التهاني.
تعرف النكتة الدقيقة التي لاحظها الإمام ٧ باختياره أيام منى على عرفات و المشعر لاشتغال الناس بالعبادة و الابتهال إلى المولى سبحانه في هذين الموقفين مع قصر الزمان.
نعم في أيام منى حيث إنها ثلاثة و هي أيام عيد و فرح و سرور لا حزن و بكاء و طبعا أن السامع للبكاء في أيام المسرات يستفز إلى الأسباب الموجبة له و يتساءل
[١] التعريفات ص ٤٨.
[٢] التهذيب للطوسي ج ٢ ص ١٠٨ كتاب المكاسب، و المنتهى للعلامة الحلي ج ٢ ص ١١٢، و الذكرى للشهيد الأول المبحث الرابع من أحكام الأموات، و في من لا يحضره الفقيه ص ٣٦ أنه ٧ أوصى بثمانمائة درهم لمأتمه و أن يندب في المواسم عشر سنين.