مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٩٢ - الرخصة في المفارقة
البقاء و التبلغ في هذا الوجود لاتخذوا الاذن بالمفارقة ذريعة يتذرعون بها يوم الحساب و لكن هذه النفوس التي فطرها «رب العالمين» سبحانه من طينة القداسة و امتزجت بنور اليقين لا ترغب في البقاء إلا أن تحق الحق أو تبطل الباطل و هل تستمرىء العيش و هي تعلم ما يلاقيه فلذة كبد الرسول و مهجة الإسلام من الجروح الدامية و الأوام المبرح:
نفوس أبت إلا ترات أبيهم # فهم بين موتور لذاك و واتر
لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى # كما أنست أقدامهم بالمنابر [١]
و في هذا الحين أنهي إلى محمد بن بشير الحضرمي خبر أسر ابنه بثغر الري فقال: عند اللّه احتسبه و نفسي ما أحب أن يؤسر و أبقى بعده فلما سمع الحسين ٧ هذا منه أذن له بالمفارقة و حل عقد البيعة ليعمل في فكاك ابنه فلما سمع ذلك من سيد الشهداء ثارت به حميّة الدين و حفزه الولاء الصادق إلى اظهار عقيدته الراسخة في التفاني دون شخص الإمام فقال: يا أبا عبد اللّه اكلتني السباع حيا إن فارقتك.
إن الإيمان الثابت و الطاعة للّه تعالى و للرسول يرفعان من تمكنا فيه إلى أوج العظمة و فوق مستوى الفضيلة و لو كان ابن بشير متزلزل العقيدة لاغتنم فرصة الاذن بالانصراف عذرا عند المولى سبحانه و عند الناس.
إن «الشهامة الحسينية» لم تترك لصاحبها منتدحا دون المجاهرة بالافراج عن العبد الأسود «جون مولى أبي ذر الغفاري» لئلا يقيده الحياء عن الفرار و لكن سيد الشهداء بعد أن عرف صبره و ثباته عند الهزاهز أراد بامتحانه تعريف المتجمهرين عليه و من يأتي من الأمم نفسية هذا العبد الأسود و مبلغ موقفه في الذب عن الشريعة التي تلاعبت بها أيدي الخائنين مهما تفاقم الخطب و تراكمت الأهوال فأباح له حل العهد و النجاة بنفسه فقال له: يا جون إنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقتنا فعندها تسابقت دموعه خوفا من عدم التوفيق لنيل السعادة الخالدة و قد مزجها بقوله الذي لم يزل رجع صداه في مسامع الأجيال معرفا بنجاح الصابر عند الهزاهز (و إنما الراحة بعد العنا) .
[١] مثير الأحزان لابن نما.