مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٩١ - الرخصة في المفارقة
الغدر و النفاق و متابعة الأهواء و أنهم لم يرقهم المكاشفة في الميل عنه لئلا يعود ذلك فتا في عضد البيعة الواهية و مثارا للإحن فأجملوا القول و هم ينتظرون نواجم العاقبة و إلا فلم لم يحصل لمسلم بن عقيل الواحد من هؤلاء الآلاف من يدله على الطريق يوم اظلمت عليه الآفاق فلم يدر إلى أين يتوجه.
ثم يقول ابن أبي شبيب للحسين يوم الطف: ما أمسى على ظهر الأرض قريب و لا بعيد أعز علي منك و لو قدرت أن ادفع الضيم عنك بشيء أعز علي من نفسي لفعلت [١] .
بلى يا ابن أبي شبيب إن الرجال المخلصين للّه تعالى المتفانين في خدمته لا يرون الوجود إلا متلاشي الأطراف و البقاء الأبدي بنصرة الإمام علة الكائنات و مدار الموجودات.
ثم يقوم نافع بن هلال فيقول: و اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه و لا كرهنا لقاء ربنا إنا على نياتنا و بصائرنا نوالي من والاك و نعادي من عاداك، و يتكلم أصحابه بما يشبه ذلك.
و لما اذن ٧ لأهل بيته بالانصراف قالوا بأجمعهم بصوت واحد: أنفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا، ثم التفت إلى بني عقيل و قال: حسبكم من القتل بمسلم قد أذنت لكم.
فانطلقت ألسنتهم تعبر عما اضمر في جوانحهم من النصرة للدين و الذب عن شخص الإمام الحجة فقالوا: إذن ما نقول للناس إنا تركنا شيخنا و سيدنا و بني عمومتنا خير الاعمام و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن برمح و لم نضرب بسيف؟لا و اللّه لا نفعل و لكن نفديك بأنفسنا و أموالنا و أهلينا نقاتل معك حتى نرد موردك فقبح اللّه العيش بعدك.
إن هذه المفاداة في ذلك المأزق الحرج الذي تقطعت فيه خطوط المدد و سد دونهم باب الورود المباح للحيوانات تكشف عن بلوغهم أسمى صفات الكمال و تجردهم عن عوارض الدنيا الفانية و لو كانوا يحملون أقل شيء من الرغبة في
[١] نفس المصدر ص ٢٥٤ ج ٦.
غ