مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٨٨ - الرخصة في المفارقة
الصفوة «شهداء كربلا» لنتشوّف منه قداسة ضمائرهم و خلوص نياتهم و تزكية نفوسهم غير ذلك المشهد الدامي و لو لا تلك الأقوال التي صارح بها صحب الحسين ٧ و أهل بيته حينما أبدى لهم الرخصة في مفارقته و أباح لهم تخليهم عنه مع القوم الذين تجمهروا عليه لما عرفنا تفاضلهم في الملكات و تفاوتهم في النظرات البعيدة الغور و الفضيلة لم يستو فيها البشر و العلم نور يقذفه اللّه تعالى في قلب من يشاء من عباده مع التفاوت شدة و ضعفا.
فهذا مسلم بن عوسجة الأسدي لم يكشف التأريخ عن أعماله الخالدة و مزاياه الصالحة بقليل و لا كثير غير كلمة شبث بن ربعي أنه غزا مع المسلمين «آذربيجان» و قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين و ما عسى أن يعرف منها القارىء إلا مدى ولائه الأكيد لخلفاء النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و عدم تغيره بتطور الزمن و ملابسات الأحوال و لكن قوله للحسين ٧: أنحن نخلّي عنك و لما نعذر إلى اللّه تعالى في أداء حقك أما و اللّه لا افارقك حتى اكسر في صدورهم رمحي و اضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي و لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك.
أفادنا بصيرة بثبات الرجل على المبدأ في آخر مرحلة من مراحل الوجود و أنه لا يهمه في سبيل مرضاة اللّه تعالى و رسوله كل ما يلاقيه من آلام و جروح دامية و قد شفع هذا القول بالجهود في العمل حين استقبل السيوف و الرماح بصدره و نحره كما لم يقتنع بهذا حتى أوصى حبيب بن مظاهر ذلك الذي استفاد علم المنايا و الملاحم من أمير المؤمنين بنصرة الحسين ٨ و لأنه لا يعذر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بالتقصير في حقه و هو في آخر رمق من الحياة و فاضت نفسه الغالية على هذه العقيدة و الطاعة [١] .
و تابعه في اخلاص الولاء و المفاداة سعيد بن عبد اللّه الحنفي إذ يقول و اللّه لا نخلّيك حتى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فيك و اللّه لو علمت أني
[١] يذكرني هذا التفاني دون ابن بنت المصطفى اعتذار سعد بن أبي وقاص لما طلب منه أمير المؤمنين ٧ نصرته فقال كما في كتاب الجمل للشيخ المفيد ص ٥٩ الطبعة الثانية إني أكره الخروج في هذا الحرب فأصيب مؤمنا إلا أن تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر.