مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٨٦ - الرخصة في المفارقة
استئصال شأفة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم في أهله و ذويه، لكن سياسة «شهيد الطف» التي لا يدرك مداها و تنحسر العقول عن تفسير مغزاها عرّفت الأجيال الواقفين على هذه الملحمة التي لم يأت الدهر بمثلها بأعمال هؤلاء الجبابرة الذين لم يسلم أسلافهم حين أظهروه إلا فرقا من سيف الإسلام، و قد أصاب أبو عبد اللّه ٧ شاكلة الغرض يوم تقشعت سحب الأوهام بأنوار نهضته الوضيئة و هتاف حرمه الذي بلبل الأفكار و أقلق الأدمغة حتى راحت الأندية تلهج بما احتقبه هؤلاء الطغاة و من قبلهم من الشنار و العار.
الرخصة في المفارقة
و على هذا النهج القويم تكون مصارحة سيد الشهداء بكلمته الثمينة البعيدة المغزى الحكيمة الأساس المتضمنة تجويزه لأهل بيته و صحبه بمفارقته!و نص ما يتحدث به المؤرخون عن ذلك قوله ٧ لأهل بيته و صحبه عشية التاسع من المحرم: «إني لا أعلم أصحابا أولى و لا خيرا من أصحابي و لا أهل بيت أبر و أوصل من أهل بيتي فجزاكم اللّه عني جميعا ألا و إني أظن يومنا من هؤلاء غدا.
و إني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام و هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا و ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي!فجزاكم اللّه جميعا خيرا و تفرقوا في سوادكم و مدائنكم فإن القوم إنما يطلبوني و لو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري» [١] ما أجل مغزاك يا أبيّ الضيم و ما أسمى ما ترمي إليه يا سيد الشهداء و ما أحكم أقوالك و أفعالك يا روح النبوة!بلى إنّ هذه الجملة الذهبية كتبت بأحرف نورية على جبهة الدهر أن أولئك الصفوة الميامين الذين وصفهم أمير المؤمنين ٧ بأنهم سادة الشهداء و أنهم لم يسبقهم سابق و لا يلحقهم لاحق [٢]
[١] تاريخ الطبري ج ٦ ص ٢٣٨ و كامل ابن الأثير ج ٤ ص ٢٤ و في البداية لابن كثير ج ٨ ص ١٧٨ ذكر اذنه بالمفارقة و اصرار أصحابه و أهل بيته على المفاداة و رواه الفضل بن شاذان النيسابوري في «اثبات الرجعة» عن أبي جعفر ٧ و رواه الشيخ المفيد في الارشاد و الطبرسي في اعلام الورى و الفتال في روضة الواعظين و ذكره الخوارزمي في المقتل ج ١ ص ٢٤٦.
[٢] كامل الزيارات لابن قولويه ص ٩٩٩ و ص ٩٧٠.