مقتل الحسين - السيد عبد الرزاق المقرم - الصفحة ٣٠٢ - الليلة الحادية عشرة
الليلة الحادية عشرة
يا لها من ليلة مرت على بنات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم بعد ذلك العز الشامخ الذي لم يفارقهن منذ أوجد اللّه كيانهن، فلقد كن بالأمس في سرادق العظمة و أخبية الجلالة تشع نهارها بشمس النبوة و يضيء ليلها بكواكب الخلافة و مصابيح أنوار القداسة، و بقين في هذه الليلة في حلك دامس من فقد تلك الأنوار الساطعة بين رحل منتهب و خباء محترق و فرق سائد و حماة صرعى و لا محام لهن و لا كفيل لا يدرين من يدفع عنهن إذا دهمهن داهم و من الذي يرد عادية المرجفين و من يسكن فورة الفاقدات و يخفف من وجدهن. نعم كان بينهن صراخ الصبية و أنين الفتيات و نشيج الوالهات، فأم طفل فطمته السهام، و شقيق مستشهد و فاقدة ولد، و باكية على حميم، و إلى جنبهن اشلاء مبضعة و أعضاء مقطعة و نحور دامية و هن في فلاة من الأرض جرداء... و على مطلع الأكمة جحفل الغدر تهزهم نشوة الفتح و طيش الظفر و لؤم الغلبة!و على هذا كله لا يدرين بماذا يندلع لسان الصباح و بماذا ترتفع عقيرة المنادي!أ بالقتل أم بالأسر؟!و لا من يدفع عنهن غير الإمام (العليل) الذي لا يملك لنفسه نفعا و لا يدفع ضرا و هو على خطر من القتل!
و مرضعة هبت بها لرضيعها # عواطف أم أثكلت طفلها صبرا
رأت مهده بالحزن يطفح بعده # و قد كان فيه قبل يطفح بالبشرى
و أثقل ثدييها من الدر خالص # على طفلها فيه تعودت الدرا
فخفّت إلى مثوى الرضيع لعلها # ترى رمقا فيه يغذى بما درّا
فلم تر إلا جثة فوق مذبح # بها علق السهم الذي ذبح النحرا
فحنت و أحنت فوقه من تعطف # اضالعها ظلا تقيه به الحرا
و ضمته مذبوح الوريد لصدرها # و من دمه المسفوح خضبت الصدرا