دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٥٧ - الثانية في تعارض الاستصحاب مع سائر الأصول العملية من البراءة والاحتياط والتخيير
و استدل
عليه الشيخ بإجمال الدليل، فانه ان لاحظنا كلا من الطرفين بخصوصه، كالإناء
الشرقي مثلا أو الإناء الغربي، يكون مشكوك النجاسة بعد اليقين بنجاسته
سابقا، ومقتضى إطلاق صدر الأدلة أي قوله عليه السّلام«لا تنقض اليقين
بالشك»جريان الاستصحاب. وان لاحظنا العلم الإجمالي بانتقاض الحالة السابقة
في الجملة وطهارة أحدهما، لا بد من رفع اليد عن الحالة السابقة، وعدم جريان
الاستصحاب في واحد منهما، لإطلاق ذيلها، وهو قوله عليه السّلام«و لكن
تنقضه بيقين مثله»فانه يعم اليقين الإجمالي. ولا يمكن الجمع بين الأمرين،
لأن السالبة الجزئية تناقض الموجبة الكلية، أي جريان الاستصحاب في كلا
الطرفين يناقضه عدم جريانه في واحد منهما، فيدور الأمر بينهما، وبما أنه لا
مرجح لأحد الإطلاقين، يكون الدليل مجملا، لا يمكن الأخذ بشيء منهما[١].
و فيه: أولا: انه لا إجمال في الدليل، لظهور اليقين في ذيل الحديث في
اليقين التفصيليّ، وذلك لأن الناقض لكل يقين لا بد وان يكون اليقين المتعلق
بما تعلق به اليقين السابق، لا المتعلق بغيره، فظاهر قوله(انقضه بيقين
مثله)هو اليقين المتعلق بعين ما تعلق به اليقين الأول.
و في محل الكلام اليقين الإجمالي لم يتعلق بما تعلق به اليقين التفصيليّ،
فان اليقين التفصيليّ كان متعلقا بنجاسة كل من الإناءين بخصوصه، ولم يتعلق
به يقين على خلاف تلك الحالة، وما تعلق به اليقين الإجمالي هو طهارة
أحدهما، فمتعلقه ليس إناء خاص، ولو كان الطاهر الواقعي أحدهما المعين عند
اللّه تعالى، فان العلم حقيقته الانكشاف، ولم ينكشف سوى طهارة أحد
الإناءين، فضلا عما لم يكن كذلك، بان كانا معا طاهرين، فلا يمكن ان يكون
اليقين الإجمالي بالطهارة ناقضا لليقين التفصيليّ بنجاسة كل منهما، فيعمه
صدر الأدلة دون ذيلها.
[١]فرائد الأصول: ٢-٧٤٤-٧٤٥(ط. جامعة المدرسين).