رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٩٤ - الرسالة الحادية عشرة من العلوم الناموسية و الشرعية في ماهية السحر و العزائم و العين(و هي الرسالة الثانية و الخمسون من رسائل إخوان الصفاء)
فلسطين لمحاربته، فجمع العرّافين لهم، و دخل الرعب من كثرة الجيوش المنصبّة عليه، و لم يجد من يسكن إلى قوله كعادته من نبي و لا ساحر و لا عرّاف و لا حاكم، فقلق لذلك و قال لخاصته: اطلبوا لي ساحرا أسأله عن عاقبة أمري. فدلّ على ساحرة، فسكن إليها و سألها أن تحيي له نبيّا يسأله.
فسألته أي الأنبياء يختار أن تحييه. فاختار شمويل فأحيته، و فزعت عند رؤيته فصرخت. فقال لها طالوت: لا تفزعي، ما ذا رأيت؟ فقالت: رجلا شيخا بهيّا مثل ملائكة الرب، مشتملا ببرنس قد صعد من الأرض. فعلم طالوت أنه شمويل أرسله اللّه، فدخل إليه و سجد بين يديه. فقال شمويل:
يا طالوت، لم أرجعتني و أحييتني؟ قال: لما ضاقت بي الأرض من أهل فلسطين و محاربتهم إياي، و زوال عناية اللّه عني، و منعه الأحلام مني، فدعوتك لأشاورك في أمري. فقال شمويل: إن اللّه تعالى قد نقل الملك إلى صاحبك داود، و غضب عليك و على بني إسرائيل بما فعلتموه في مواشي العماليق، و هو ناصر فلسطين عليكم و مديلهم منكم، فتصير معي غدا في الأموات. فخرّ مغشيّا عليه و عرفته الساحرة، فأقبلت إليه و من كان معه، و لم يزالوا به حتى أفاق و أضافهم ليلتهم و انصرفوا مصبحين. فالتحمت الحرب فوقعت الهزيمة على العبرانيين، فأكثر القتل فيهم، و قتل لطالوت ثلاثة بنين، و اتكأ هو على حربته، فأخرجها من ظهره، فاجتمع بنو إسرائيل على تمليك داود فدافع بهم من ناوأوهم.
فهذا كله أيضا أيها الأخ قد وردت به الأخبار، فمنها ما هو من جهة الفلاسفة، و منها ما هو من جهة الأنبياء و كتب الشرائع، و منها ما هو مذكور في القرآن من ذكر السحرة بما قد حكيناه فيما تقدم.
أ فترى هذا كله كذبا لا أصل له، و سخفا و حماقة ممن يذكره عند هؤلاء المتعجبين المنكرين بأنفسهم، المكذّبين بما يسمونه بجهلهم، تكبرا منهم وتيها و صلفا، لقلة عقولهم، و قصر علومهم، و قصورهم عن نيل العلوم الحقيقية،