رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٣٥ - فصل
فصل
و اعلم أن من إحدى الخصال التي يعتقدها واضع الشريعة، يقينا لا شك فيه، أن من أقرب القربات إلى اللّه تعالى، و أبلغ طلب لمرضاته، بذل المال و النفس و الأهل في إقامة الشريعة و تقويتها و إظهارها، و أن كل نفس من أنصاره و أتباعه أنفق ماله، أو فارق أحبّاءه، أو بذل دمه و جعل جسده قربانا في نصرة الشريعة، فإن تلك النفس بعد مفارقة جسدها تبقى مجرّدة من الهيولى، و تعلو رتبتها على سائر النفوس التي هي أبناء جنسها، و ترتفع درجتها و تشرف هي على النفوس المتجسدة المستعملة لتلك الشريعة، فتصير موقوفة عليها شاهده أحوالها، و تكون الشريعة لها مدينة روحانية، و يكون تصرفها و تحكمها في النفوس المستعملة لتلك الشريعة كتصرّف رؤساء أهل المدينة في أملاكهم و غلمانهم و أتباعهم، و انها تنال بتلك اللذّة و السرور و الفرح مثل ما ينال الرؤساء ذوو السياسة من انقياد المرءوسين لطاعتهم و حسن خدمتهم، و كلما كثر عدد التابعين في الشريعة، ازدادت فرحا و سرورا و لذّة و غبطة دائما أبدا.
و اعلم أن من إحدى خصال واضع الشريعة أن يسنّ لأهل دعوته أولا سنّة حسنة يقيمونها بشرائطها، و سيرة عادلة يتعاملون بموجبها فيما بينهم، و يكون في استعمالهم صلاح الجمهور و النفع العام، و لا يبالي أن يكون عليه أو على بعضهم من استعمالها لها مشقّة أو ضرر، لأن غرض واضع الشريعة ليس إصلاح أمر نفسه، و لا إصلاح أنصاره و أتباعه الموجودين في الوقت الحاضر في زمانه، أو النفع العاجل له و لهم، بل غرضه إصلاحهم و إصلاح من يجيء بعدهم من التابعين، و من يجيء بعد أولئك إلى يوم القيامة.
و اعلم بأن نسبة تلك الأشخاص الموجودة في زمانه بالنسبة إلى من يجيء بعدهم من الكثرة ما هو إلّا كنسبة الآحاد إلى العشرات، و العشرات إلى