رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٨ - فصل
و قد ذكرنا في ذلك نبذا و لمعا لتكون تنبيها للغافلين، و موقظا للساهين عن النظر في آيات الآفاق و الأنفس، لأن أكثر أغراضنا في جميع ما ذكرناه و كل ما وصفناه، الحضّ على تعلّم العلوم، و الاطّلاع على ما خفي من أسرار الخليقة، ليكون ذلك قائدا لإخواننا، أيدهم اللّه، إلى أجلّ السعادات و أرفع الدرجات، و يصير لهم بذلك رتبة في محل السماوات و فضاء الأفلاك الواسعات، لأنه لا يتهيأ له الصعود إلى هناك إلّا أن يكون من العلماء العارفين و الموقنين المستبصرين، و محلّ الجنان و دار الحيوان أولى بالأرواح الزكية و النفوس المضيئة من محلّ الهوان؛ و دار الأحزان و المصائب و الأسقام أولى بالأرواح النّجسة و النفوس الرّجسة.
فصل
اعلم يا أخي، أيدك اللّه تعالى، أن كل علم صدر و كلّ فعل ظهر عن الأنبياء و المرسلين، و من خلفهم من بعدهم، و من خلفائهم الراشدين، و أهل بيوتهم الطاهرين، و من صحبهم من المؤمنين، فهو سحر عقليّ، و أمر إلهيّ، يسحرون به عقول المؤمنين الذين صبوا لهم و سلّموا لأمرهم فيما أتوا به و تحققوا صدقهم، واثقين به مطمئنين لحقّهم، فهو السحر الحلال المبين، و القول الصادق اليقين، و هي القوة الناموسية المؤيّدة بقوى النفس الكلّيّة بما أوحي إليها من القوة العقلية بالمشيئة الإلهية و العناية الربّانية، و كلّ ما ظهر من الحكماء أو الفلاسفة و العلماء من الأعمال و الصنائع و الحرف و المهن و العلوم الرياضيّة و الإخبار بأمر النجوم و الحكم بها على ما كان و يكون، فهو سحر نفسانيّ بواسطة الطبيعة، لأن ما يظهر من فعل النفس العقليّة بواسطة الطبيعة، يكون لتركيبه في الهيولى بما يظهر للنظر و يدرك بحاسّة البصر من الأصباغ و الألوان و المقادير و الأبعاد و الأجناس و الأنواع و الأشخاص، لأن الباري، سبحانه،