رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٤ - فصل
الأخلاق كبر إبليس، و حرص آدم، و حسد قابيل، و هي أمّهات المعاصي.
و اعلم أن الناس مطبوعون على أخلاقهم بحسب اختلاف تركيب مزاج أجسادهم، و بحسب اختلاف أشكال الفلك في أصل مواليدهم. و قد بيّنا في رسالة الأخلاق هذا بشرحه.
و اعلم أن من الناس من هو مطبوع على خلق واحد أو عدة من أخلاق محمودة و مذمومة، و أن العادات الرديئة تقوّي الأخلاق الرديئة و العادات الجميلة تقوّي الأخلاق المحمودة، و هكذا حكم الآراء و الاعتقادات، فإن من الناس من يرى و يعتقد في دينه و مذهبه أنه حلال له سفك دم كل مخالف له في مذهبه، مثل اليهود و الخوارج و كل من يكفر بالرب. و من الناس من يرى و يعتقد في دينه و مذهبه الرحمة و الشفقة للناس كلهم، و يرثي للمذنبين، و يستغفر لهم، و يتحنن على كل ذي روح من الحيوان، و يريد الصلاح للكل، و هذا مذهب الأبرار و الزهّاد و الصالحين من المؤمنين، و هكذا مذاهب إخواننا الكرام.
فصل
فينبغي لك، إذا أردت أن تتخذ صديقا أو أخا، أن تنتقده كما تنتقد الدراهم و الدنانير، و الأرضين الطيبة التربة للزرع و الغرس، و كما ينتقد أبناء الدنيا أمر التزويج و شرى المماليك و الأمتعة التي يشترونها.
و اعلم أن الخطب في اتخاذ الإخوان أجلّ و أعظم خطرا من هذه كلها، لأن إخوان الصدق هم الأعوان على أمور الدين و الدنيا جميعا، و هم أعزّ من الكبريت الأحمر! و إذا وجدت منهم واحدا فتمسّك به، فإنه قرّة العين، و نعيم الدنيا، و سعادة الآخرة، لأن إخوان الصدق نصرة على دفع الأعداء، و زين عند الأخلاء، و أركان يعتمد عليهم عند الشدائد و البلوى،