رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٠ - فصل
فصل
و ذكر أيضا أن رجلا من المترفين و أرباب النعم ممن قد بسط له في دنياه، و مكّن له فيها، جعل أكثر جهده و كدّه، طول عمره، ليلا و نهارا، في تنعّم بدنه و رفاهة جسمه، و لذّة عيشه، و إصلاح شهواته؛ حتى لم يكن له طول نهاره شغل إلّا دخول الحمّام، و حلق رأسه، و تمريخ[١] بدنه، أو تغيير لباسه، أو تبخير ثيابه و بدنه، و استنشاق طيبه؛ أو تنقّلا من مجلس إلى مجلس، في تجديد لذّاته، و إصلاح شهواته؛ حتى لم يكن يأكل و لا يشرب إلّا أطيب الطعام و ألذّ الشّراب، و لا يلبس إلّا أنعم اللباس، و لا يقعد إلّا على أوطإ الراكب، و ألين للفرش. و كان لم يكن ينام إلّا على سرير معلّق في الهواء في وسط قبّة له، مخافة دبيب يعرض له، أو غبار يصيبه! فعاش بذلك زمانا طويلا، حتى شهر في الناس بطيب عيشه، و لذيذ شهواته. و جعل الراغبون في شهوات الدنيا يتمنّون حاله، و يغبطونه على ما هو فيه، و يتشبّه به المترفون من أهل زمانه و أرباب النعم: كلّ واحد بحسب إمكانه و اتساع حاله، حتى صار قدوة لطالبي اللّذات في اتّباع الشّهوات.
و كان مع هذه الحال كلّها، لم يكن يعرف شيئا من إصلاح نفسه و لا تحسين أخلاقه، و لا تفقّها في الدين، و لا تزوّدا لآخرته، و لا تفكّرا في أمر معاده، و لا رغبة في علم، و لا طلبا لأدب، و لا فكرة في زوال الدنيا، و لا ذكرا للموت. بل كان مقبلا على طلب شهواته، محتقرا لأمور الناس، مزريا من دونه، معرضا عن الفقراء، هاجرا لأهل العلم، متهاونا بأمر الدين.
[١] -تمريخ: دهن.