رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٠٣ - فصل
الأيدي و الأرجل و الزّمنى المفلوجين نصف أبدانهم. و ذلك أنك ترى كثيرا منهم يكون أعقل و أذكى و أعلم و أفهم ممن هو صحيح الجسم، سمين البدن، عظيم الجثة. فلو كان الإنسان هو هذا الجسد حسب بلا نفس معه، لكان يجب أن يكون كل من كان أصحّ جسما، و أكبر جثة، و أسمن بدنا، يكون أكثر إنسانية، و أعقل و أفهم و أذكى و أعلم ممن كان أصغر جثة، أو كان ناقصا بعض الأعضاء، أو كان مهزولا.
و قد يوجد الأمر بخلاف ذلك في كثير من الناس، و في كثير من الحيوانات أيضا، فإنك تجد القرد أذكى من الخنزير، و الثعلب أخبث من الذئب، و الببغاء أفصح من الكركي[١]، و القطا أهدى من النعامة، و ما هو موصوف في كتاب الحيوان من هذا المعنى.
و قد تبيّن بأن الحيوانات لها نفوس أيضا، و تلك النفوس تتفاضل لا بكبر الجثة، و عظم الخلقة، و حسن الصورة حسب، بل من قبل أفعالها و جواهر نفوسها و أخلاقها، و خواصّها، و متصرّفاتها، مما هو مذكور في كتاب الحيوان و كتاب الخواص. كل ذلك دليل على أن مع هذه الحيوانات جواهر أخرى هي الفاعلة المحرّكة لأجسامها، إذ كان الجسم لا فعل له بمجرّده و لا للعرض أيضا له بالإجماع.
فصل
و يقال لمن يزعم أن الإنسان ليس هو بشيء سوى هذه الجملة المشار إليها، يعني هذا الجسم و ما يحلّه من الأعراض مثل الحياة و الحس و الحركة، و أن النفس لا وجود لها: لم لا يسمّي هذه الحيوانات إنسانا؟ فإن كل واحد منها هو أيضا جسد فيه الحياة و الحسّ و الحركة؟ فإن قال: أعني
[١] -الكركي: طائر كبير أغبر اللون ابتر الذنب طويل العنق و الرجلين.