رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٦ - فصل
الكمال، و رونق الشباب، و هيبة الوقار، و هما مبتسمان في وجهه، كالمستبشرين له، يشيران إليه بالنظر إلى قدّام فلما تأمّل، إذا هو بفضاء فسيح يقصر دونه الطرف. و إذا هو بأنوار قد ملأت الآفاق من الضياء. و إذا في ذلك الفضاء رياض خضر كأن بينها نسج الديباج، من الزهر و النّور و الزعفران، و إذا في وسطها أنهار تجري على أرض بيضاء كأن حصاها الدّرّ و الياقوت و المرجان؛ و على حافات تلك الأنهار أشجار كأن أوراقها الحرير و السّندس و الأرجوان؛ و إذا هبّ نسيم تخشخشت أوراقها، كأنها أصوات نغمات أوتار العيدان؛ و بين تلك الأوراق ألوان الثمار متفنّنة الأشكال و الطّعوم و الألوان. و إذا بين ذلك قصور شاهقة كأنها جبال من رخام أبوابها مفتّحة، و صحون واسعة، و إيوانات متقابلة، فيها سرر موضوعة، عليها فرش مرفوعة، و نمارق[١] مصفوفة، و بينها سادة كرام متّكئون، متقابلون، عليهم زين الجمال، و محاسن الكمال و هيبة الوقار. بأيديهم التّحف[٢]، يسعى بينهم ولدان و غلمان و جوار حسان أتراب، مبرقات[٣] بالمحاسن و الجمال. فلما رأى تلك المحاسن قال لصاحبيه: ما هذه؟ قالا: هي الجنّة دار السلام، و معدن الأرواح، و مسكن نفوس الأخيار، و مستقرّ الأبرار. فإن أنت دمت على ما أنت عليه، إلى الموت، فسيكون مصيرك إلى هناك، بعد مفارقتها جسدها، فتجد لذّة العيش، و سرور النعيم صافيا، بلا تنغيص ما بقي الدهر.
فمن فرح ما سمع و سرور ما بشّر، استفزّه ذلك، فانتبه دهشا، متفكّرا، يتمنى عسى أن ينام، فيرى تلك الرؤيا ثانيا، بعد أن كان كارها للنوم، مخافة أن يرى رؤياه الأولى.
[١] -نمارق: وسائد صغيرة يتكأ عليها، واحدها نمرق و نمرقة.
[٢] -التحف: طرف الفواكه.
[٣] -مبرقات: متعرضات متزينات.