رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥٢ - فصل
المشايخ الهرمة الذين اعتقدوا من الصبا آراء فاسدة، و عادات رديئة، و أخلاقا و حشية، فإنهم يتعبونك ثم لا ينصلحون، و إن صلحوا قليلا قليلا فلا يفلحون. و لكن عليك بالشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم، المريدين طريق الحق و الدار الآخرة، و المؤمنين بيوم الحساب، المستعملين شرائع الأنبياء، :، الباحثين عن أسرار كتبهم، التاركين الهوى و الجدل غير متعصبين على المذاهب.
و اعلم أن اللّه تعالى ما بعث نبيّا إلّا و هو شابّ، و لا أعطى لعبد حكمة إلّا و هو شابّ، كما ذكرهم و مدحهم فقال، عزّ اسمه: «إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى» و قال تعالى: «إنّا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم» و قال أيضا، عزّ و جلّ: «و قال موسى لفتاه».
و اعلم أن كل نبي بعثه اللّه فأوّل من كذّبه مشايخ قومه المتعاطون الفلسفة و النظر و الجدل، كما وصفهم تعالى فقال: «و لما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدّون و قالوا أ آلهتنا خير أم هو، ما ضربوه لك إلّا جدلا، بل هم قوم خصمون.»
فصل
و اعلم أن مواهب اللّه، جلّ اسمه، كثيرة لا يحصى عددها، و لكن يجمعها جنسان، تحت كل جنس أنواع كثيرة: أحدهما قنية جسدانية، و الآخر قنية نفسانية. فمن القنية الجسدانية أحدها المال، و من القنية النفسانية أحدها العلم. و الناس في هاتين النعمتين العظيمتين على منازل أربع:
فمنهم من قد رزق الحظ من المال و العلم جميعا، و منهم من قد حرمهما جميعا، و منهم من رزق المال و لم يرزق العلم، و منهم من رزق العلم و لم يرزق المال. فينبغي لإخواننا، ممن قد رزق المال و العلم جميعا، أن يؤدّي