رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤٩ - فصل
رأس الكبر ابنا سعيد المولد، فأمر المنجّمين بالحساب و الحكم على موجبات أحكام النجوم في مولده، فحكموا بأنه يتربّى و يعيش و يطول عمره، و ينال ملكا. و سلطانا لا يشبه ملك الأرضين و لا سلطان الجسمانيين، بل ملك السماويين و سلطان الروحانيين. فلما تربّى ذلك الغلام و نشأ أفرد له أبوه منزلا و بنى له قصرا فأسكنه فيه، و وكّل به الحفظة، و شحنه بالخدم و الطيرة (؟) و الخصيان، و منع أن يصل إليه أحد من العامّة. فلما نشأ الغلام و ترعرع رزق من الفهم و الذكاء ما لم يرزق أحد غيره من أهل بلده، ثم علّم آداب أبناء الملوك من القراءة و الكتابة و الشعر و الفصاحة و النحو و اللغة و الحساب و النجوم و الهندسة، و ما يليق بأولاد الملوك من العلوم و الآداب. و كان صافي النفس، حيّ القلب، كثير التفكر في ملكوت السماء و أمر الصانع، و كيفية المبدإ و أمر المعاد، و أحوال القرون الذين مضوا و انقرضوا، ترى إلى ما ذا صاروا و إلى أين ذهبوا، حتى منعته الفكرة عن الأكل و النوم و التمتّع بلذّات النعيم في الدنيا و شهواتها، فأسهر ليله و أطال نهاره، و تمنى أن يجد أحدا يسأله عما في نفسه، و يذاكره بما في قلبه، فلم يجد أحدا، حتى فشا حديثه في الناس، و كثر الثناء الجميل عليه، و انتشر ذكره في الآفاق، فسمع خبره حكيم من حكماء بلاد سرنديب، فطمع في رشده، و رجا أن يكون هاديا رشيدا و فيلسوفا حكيما، فقصد نحو بلاده، و حمل معه كتابا من كتب الحكمة و أسرار النبوة، ملفوفا في ثوب، في جوف سفط[١] مختوم. ثم إنه أتى تلك المدينة فطاف فيها، فلم يجد فيها أحدا من أهلها يصلح أن يسمع حكمته غير ذلك الغلام، فطاف ببابه فرأى الوصول إليه صعبا، و الأمر ممتنعا من كثرة الحرّاس و الحفظة حول القصر. و أقام زمانا يفكّر كيف يكون
[١] -السفط: الجوالق او كالقفة.