رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١١ - الرسالة الحادية عشرة من العلوم الناموسية و الشرعية في ماهية السحر و العزائم و العين(و هي الرسالة الثانية و الخمسون من رسائل إخوان الصفاء)
أنه أمر رجلا لقع صعدا[١] أن يسقى له، و هذا أيضا حديث مشهور. و إنما أمر الرجل أن يغسل له ليزول عن الملقوع ما أثّرت فيه العين بما بدر منها، و أن يزول ذلك بما يبدر منه، و لأنه، صلى اللّه عليه و سلم، علم ذلك بخصوصيته و كيفيّته و عرف السبيل فدلّ عليه.
و مثل هذا ما نشاهده من التثاؤب، و نرى إن تثاءب رجل تثاءب جليسه حتى ربما يتثاءب جماعة من مجلس واحد. و هذا من جهة العدوى، و هي أيضا أثر يؤثر، فبدأ من النفس التي ينظر إليها و يؤثر فيها. و هذه الصفات التي ذكرناها دليل على تأثير الرّقى و النّشر و العزائم في الأنفس البهيمية التي في أصناف الحيوانات. و إنما ترى الراقي يستعين على الرّقية بالنّفث و النفخ و غير ذلك، لأن النفث و النفخ هما من جوهر هذه البهيمة بحركة من النفس المنطقية، و يؤثران فيها كما يؤثّر الصفير و النفير و سائر الإشارات التي ذكرناها. و إنما يقف على حقائقها و اللطائف التي فيها الحكماء المطهّرون الذين أيّدوا بالوحي من اللّه، عزّ و جل، فهم يعرفون سبب كل شيء و في ما ذا يؤثر، و إلى أي جوهر من الحيوان يؤدّي. فمنها ما دلّوا عليه و وقع في أيدي الناس و عملوا بها كما يرى، مثل ما دلّوا على حجر المغناطيس و ما فيه من الطبع الذي يجذب الحديد. و مثل هذا لو كان خبرا ما صدّق به كثير من الناس و كذبوه كما كذبوا غيره مما لم يشاهدوه و لم يعرفوه، و لكن العيان و المشاهدة في الأجساد الحجرية و العقاقير المواتيّة. أ فليس يمكن أن يكون مثل هذا في الحيوان مع ما فيه من الفضل على الموات بالنفس البهيمية الممتزجة المتهيّئة لقبول أثر النفس الناطقة فيها، و ما يشاهد من أفعالها، و لا سبيل لنا إلى إدراكها أكثر مما أدركناه، و معرفة كيفيّتها و عللها و الأسباب إلّا بتوفيق من الحكماء الذين خصّوا بعلمها، :. فمنهم من أعطى كثيرا منها كما روي عن
[١] -صعدا: شديدا.