رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٦ - فصل
فصل
و إذ قد تبين، بما وصفنا، ما الملائكة و الشياطين، و ما الإلهام و الوسوسة، و ما الوحي، و ما الرؤيا الصادقة، فيما تقدم ذكره، فنريد أن نبين كيفية قبول الوحي في اليقظة، و رؤية الملائكة و استماع كلامهم.
فاعلم يا أخي أنه لما كانت رتبة الإنسانية متوسطة بين الموجودات، كما بيّنا في رسالة المعارف، و كان أقرب الموجودات إلى الإنسانية نسبة مما هي فوقها رتبة الملائكة، و أقربها إليها مما هو دون رتبة البهيمة، و كان بعض الحيوانات إلى الإنسانية أقرب نسبة إما من جهة صورة بنيته و شكل جسده، و إما من جهة ذكاء النفس و صفاء جوهرها: و ذلك أن منها ما يفهم الخطاب و يقبل الأمر و النهي كالفيل، و منها ما يحاكيه في كلامه و أصواته كالببغاء و الهزار، و منها ما يحاكيه في أخلاقه و سيرته كالحمام و الفرس و الجواد، و منها ما ينقاد لطاعته و خدمته كالبقر و الغنم و الحمير و الجمال و غيرها، و منها ما يقبل تعليمه و تأديبه كالدّبّ و القرد، و منها ما يبعد من الإنسان و ينفر منه كالوحش.
و لما كان من هذه الأصناف المستأنسة بالإنسان المسخّرة له من الحيوانات، كلّ ما كان منها أزكى نفسا و أجود جوهرا، كان تعليم الإنسان له أمكن، و قبول التأديب أسهل.
فعلى هذا القياس نقول في قبول الإنسان إلهام الملائكة و الوحي: و ذلك أن كل إنسان تكون نفسه أصفى جوهرا و أذكى فهما، كما بيّنا في رسالة كيفية الطريق إلى اللّه تعالى، فكانت أخلاقه و سجاياه لأخلاق الكرام أقرب و أشبه، كما بيّنا في رسالة الأخلاق؛ و كان مذهبه و اعتقاده باعتقاد الأنبياء و مذهب الحكماء أشدّ تحقيقا، كما بيّنا في رسالة الناموس، و كانت أعماله و سيرته بأفعال الملائكة و سيرتها أشدّ تشبّها، كما بيّنا في رسائل إخوان الصفاء. فأقول إن قبول نفسه إلهام الملائكة و الوحي و الأنباء أمكن،