رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥٨ - صفة العموديا للهوام
اتفق سعادة لهذا المحبوس أن جاءني هؤلاء القوم في هذا اليوم.
و اشتغل بحديث آخر و خرجت من عنده. فلما كان من الغد أتيته مسلّما فوجدت القوم الذين جاءوه بالأمس قد سبقوني إلى عنده و هم شاكرون له بما بشّرهم به من تخلية المحبوس و يسألونه عن عمله بذلك؟ فقال لهم: الطالع الذي دخلتم به شهد أن محبوسكم في هذه الليلة يطلق، و لم يكشف لهم عن حقيقة الأمر.
و رأيت غلاما شابّا مصفر اللون قد نهكه الحبس و القيد، فأقبل الشيخ على الشاب فقال له: حدّث هذا الرجل كيف خلّاك الأمير البارحة. فالتفت إلي الشاب الذي كان محبوسا فقال: إني كنت محبوسا في المطمورة مطروحا و أنا مكبّل بالحديد، و قد هدّدني السجان في آخر يوم أمس و قال إن الأمير قد أنفذ بأن يحمل إليه قوم قطعوا في البحر الطريق، و إنه ينظر أولئك، و إنه يصلبك في جملتهم، ذكر لي هذا عند اصفرار الشمس، فبكيت طول ليلي و لم يحملني النوم أصلا! فبينا أنا كذلك و قد عبر من الليل النصف الأول، إذ سمعت حركة شديدة و باب المطمورة يفتح، ففزعت و شلت رأسي إلى السماء مستعينا بالله تعالى، و إذا الجماعة من الخدم قد نزلوا و حملني أحدهم بحديدي، فأدخلت على الأمير، فإذا به قائم، فلما رآني قال: حطّوه برفق، و استدعى من فكّ الحديد عني، و سألني أن أجعله في حلّ مما فعل بي، و أمر بأن أجعل في جملة خدمه، و أثبت لي رزقا جاريا مع خاصّته و أفرج عني، و هذا حالي.
و قاموا فخرجوا من عنده، فجددت السؤال للشيخ، و رغبت إليه أن يعلمني السبب في تخليته، إذ لم يقل لهم إنه سيخلى الليلة عن غير فائدة؟ فقال:
لا يمكني أن أخبرك في هذا اليوم، فإن صبرت ثمانية و عشرين يوما أعلمتك، فقلت له: إني من الصابرين.
فلما انقضت الأيام جددت السؤال فقال: هؤلاء القوم الذين جاءوا حدثوني