رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٥ - فصل
صغير، و لكن نريد أن نذكر من ذلك طرفا في هذا الفصل فنقول:
إن من الدليل الواضح على أن مع جثث الحيوانات جوهرا آخر غير جسماني، هو ما يظهر من أجسادها من الحسّ و الحركة و الأصوات و الأفعال في حال الحياة ما لا خفاء به، و فقدانها كلها في حال الموت دليل على مفارقة تلك الجواهر من أجسادها.
و من الدليل أيضا على وجود النفس مع الجسد و فراقها بعد الموت، بكاء الناس على موتاهم و حزنهم على فراق تلك النفوس، و لو كان هذا الحزن و البكاء على الأجساد، فما لهم و البكاء، و الأجساد عندهم برمّتها، و لو أرادوا أن يحفظوها من التغيير و الفساد، لكان يمكن بأدوية تطلى عليها مثل الصّبر و الكافور و العسل و ما شاكلها، و لكن لا ينفعهم ذلك من البكاء و الحزن إذا فارقتها تلك الجواهر الشريفة. و من الدليل البيّن على أن النفس جوهر هو أفعالها الصادرة عنها من غير استعمالها آلات الحواس و حركات الجوارح، و ذلك أن الإنسان إذا أراد أن ينظر في علم غامض و يبحث عن معنى دقيق حتى يفهمه، يحتاج إلى أن يسكّن حركات جوارحه، و يترك تأمّل محسوساته، و يغوص في فكرته، حتى يمكنه أن يتصوّر ذلك الشيء و يفهم ذلك المعنى.
فإذا فعل ما وصفنا فربما يجتاز به من يسلّم عليه، أو يكون بحضرته من يكلمه، فلا يسمع و لا يحسّ إذا كان غائصا في فكره. يعرف حقيقة ما قلنا كلّ عاقل قد ارتاض في علم من العلوم.
فإن قال قائل إن النفس، و إن كانت قد تركت استعمال الحواس و تحريك الجوارح في مثل هذه الحال، فإنها لم تترك استعمال البدن كله، لأن الفكر لا يكون إلّا بوسط الدماغ، كما أن النظر لا يكون إلّا بالعين، و السمع لا يكون إلّا بالأذن، و كذلك سائر الحواس.
و لعمري إن القول كما قال، و لكن إنما نحن أردنا أن نبيّن بهذا المثل أن النفس جوهرة عاقلة، و هي المستعملة للدماغ و القلب و سائر الحواسّ و الجوارح،