رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٥ - فصل في مشاكلة جسم الإنسان للدوائر التي دون فلك القمر
و عدلت عن الطبيعة إلى جهة العقل كانت كالملائكة و صارت أفعالها مشاكلة لأفعالهم، فإذا فارقت الجسم صارت إليهم و قدمت عليهم، و إن عدلت عن العقل إلى الطبيعة صارت مثل الشياطين و من حزب إبليس اللعين، و صارت أفعالها تشبه أفعالهم، و إن فارقت الجسم، و هي على ذلك، صارت معهم.
فمستقبل الإنسان بالجنة أشبه و هو ذات اليمين، و مؤخّره بالنار أشبه و هو ذات الشمال. و القفا يشبه عالم الكون و الفساد إذ كان ظلمة كله و هو الظهر و ما يبدو منه و يكون عنه من خروج الغائط. و الوجه عامر بالحواسّ و الأنفاس و الأنوار و هو عامر مأنوس كعمارة الأفلاك و نور السماوات، كما قال تعالى: «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب». و لا صورة أحسن من الإنسان المليح الوجه التامّ الخلقة، الكامل البنية إذا أقبل، و لا شيء أوحش من الإنسان إذا أدبر.
و كذلك يوجد الإنسان بين حالتين في معيشة دنياه و ما يكون به صلاح جسده و قوام نفسه و هما الفقر و الغنى، فالغنى يسمى إقبالا و الفقر إدبارا.
فبالغنى النعيم و اللذة و بلوغ الغرض و الشهوة، و كذلك أهل الجنة لهم فيها ما يشتهون، ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر. و بالفقر يكون عدم المحبوبات و كثرة الهموم و الأحزان و الحسرة و الندامة على ما يفوتهم مما يناله غيرهم من أهل اليسار. و كذلك أهل النار لا ندامة كندامتهم على ما يفوتهم من خيرات الجنة و ما يناله أهلها.
و على هذا المثال إذا اعتبرت بنية الإنسان و تأملتها وجدتها جميع الموجودات، و فيها مثالات ما فيها بأسرها، فلذلك يسميها الحكماء عالما صغيرا، إذ كانت مشاكلة بجميع ما فيها لجميع ما في العالم الكبير.