رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٨ - فصل
و يبخّرون فيها القسط[١] و الكندر[٢]، و هم يقرأون كلمات لهم شبيهة بالتسبيح، و يلحنونها و يكررونها، حتى حفظها الرجل من تكرارهم لها و هي هذه:
|
كسنى و سخرة قليلا و أبان |
محمد حين بنسا إلى بما |
|
. و معناها بالعربية: إن الأخيار يسبّحون اللّه تعالى بالليل فهم أحياء عنده، و إن كانوا قد ماتوا. و أما الأشرار الظّلمة فهم موتى عند اللّه، و إن كانوا في الدنيا أحياء. و رأى قوما من الأساقفة بأيديهم أقداح مملوءة خمرا، و في مناديل لهم أقراص برسان[٣] يفرّقونها على القوم و يحسونهم من ذلك الخمر. فتناول ذلك الرجل، من تلك الأقراص، واحدا بحرص و رغبة، و تحسّى من ذلك الشراب من شدة الجوع و العطش، و هو لم يستمرئ بعد ما قد تعشى بالعراق. ثم ما زالت تلك حاله و هو متعجب و متفكر كيف وقع بالروم و حصل في تلك الكنيسة، و كيف الرجوع إلى العراق، مع طول المسافة. ثم تذكر إخوانه في مجلسهم و ما تركهم فيه من اللذة و السرور، فاشتد شوقه إليهم و ضجره بمكانه، و ما يرى من الأشياء المخالفة للسّنّة و الشريعة التي هو فيها، المضادّة لطبيعته و عادته، فضاق صدره، و اضطرب في منامه من ضجره، فانتبه فإذا هو بالعراق في مجلسه و مكانه بين إخوانه، و تلك الشموع و تلك الأصوات و تلك الروائح التي تأمّلها قبل نومه بحالها لم يتغير شيء منها. فقل يا أخي لمن يزعم أن النفس لا حقيقة لها، و أن الحساس الدرّاك الذي يعلم الأشياء و يفكّر فيها هو هذا الجسد حسب، لا شيء آخر معه! و قل من الذي ذهب إلى الروم، و رأى تلك الأمور في الكنيسة، و أكل و شرب و حفظ تلك الكلمات، الجسد أو النفس؟ و قل من الذي كان حاضرا بالعراق بالمجلس، النفس أو الجسد؟
[١] -القسط: عود هندي عربي يتبخر به.
[٢] -الكندر: ضرب من العلك و هو اللبان الذكر صمغ شجرة نحو ذراعين شائكة ورقها كالآس، يكون بجبال اليمن.
[٣] -برسان: لعله برشان، و هو الخبز الفطير الذي يتخذ للتقديس.