رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٥ - فصل
فقام عبيده و سلّوا سيوفهم و قالوا: نقتل دونك! فرجع و كره و ذكر قول أنس لما قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم: افتح له الباب و بشّره بأنه وليّ هذه الأمة بعد عمر، و وعده ببلوى تصيبه بهراقة دمه، فقال لعبيده: من ردّ سيفه إلى غمده فهو حرّ لوجه اللّه تعالى. و قعد في مجلسه و أخذ المصحف في حجره فقرأ: «فسيكفيكهم اللّه». و رضي بقضاء اللّه و علم أنه مقتول، و انقاد للمقادير طيّبة بها نفسه. و مثل رضاء الحسين، رضي اللّه عنه، يوم كربلاء، لما اشتدّ به العطش و طلب الماء، فقالوا له:
تنزل على حكم ابن زياد، حتى نخلّي سبيلك؟ فقال: لا! و لكن على حكم اللّه. و علم أنه مقتول، فقاتل حتى قتل راضيا بقضاء اللّه و بما جرت به المقادير، طيّبة بها نفسه.
و اعلم يا أخي أن هذه النفوس التي تقدّم وصفها إنما صارت راضية بقضاء اللّه الذي هو علمه السابق في خلقه، و صبرت بما جرت عليها المقادير المرّة التي هي موجبات النجوم، لما ترجو من الخيرات في المنقلب، و ما تنال من السعادة و الرّوح و الراحة بعد المفارقة، و ما يقصّر الوصف عنه. و إليها أشار بقوله: «فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من اللّه ما لا يرجون». و قال تعالى: «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين» الآية. و قال: «إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب».
فصل
و من علامة المؤمنين المحققين أن لا يخافوا و لا يرجوا إلّا اللّه تعالى كما أن الأولاد لا يخافون و لا يرجون إلّا الآباء و الأمهات. و هكذا الصبيان لا يخافون إلّا من المؤدّب، و التلامذة لا يخافون إلّا من الأستاذين، و هكذا الجند لا يخافون إلّا من صاحب الجيش، و الناس كلّهم يخافون إلّا من سلطانهم القادر على نفعهم و ضرّهم. و كما حكى عن الملائكة فقال: «يخافون