رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٩٦ - فصل
سبحانه، و إحداثه الأشياء، و بواطنها تدلّ على تنزيهه و تدعو إلى عبادته و تدل على طاعته.
و اعلم يا أخي بأن صناعة الحساب و معرفته، و علم الفلك و حكمته كالملك و وزيره في الصنائع و الأعمال و ما بعد ذلك، حتى تنتهي إلى صنائع العامّة و الرعاع و أصحاب المهن الخسيسة و الصنائع القبيحة المسترذلة، فعلم الحساب هو كالملك، إذ كان هو المحتوي على سائر العلوم و الصنائع، و به يعرف مقاديرها و كمّياتها و بداياتها و نهاياتها؛ و بعلم الفلك الذي هو كالوزير للملك تعرف أينيّاتها و كيفيّاتها و ما يدوم فيها و ما لا يدوم، و المسعود فيها و المنحوس فيها، و الأسباب في كونها، و الأحكام الجارية عليها و الأمور الواصلة إليها. و بالمثال الروحانيّ و النسبة النفسانية، قالوا إن علم العدد كالعقل الأول الحاوي لجميع صور الموجودات العقل لها.
و العلم بحوادث الفلك كالنفس الحادثة عن العقل، و لأن النفس الكليّة مربوطة بالفلك المحيط، و هي المحرّكة له، و إذا كان ذلك كذلك، فليس في العالم صناعة كاملة معينة لصاحبها على بلوغ المنزلة و الدرجة السامية في الدين و الدنيا، إلّا المعرفة بعلم العدد و صناعة النجوم، و المعرفة بأحكام الفلك و حوادثه، و هذه طريقة الحكماء لأنهم لم يبدءوا بعلم من العلوم و لا بصنعة من الصنائع، حتى أحكموا المعرفة بهذين الأصلين، فلما عرفوهما أبدوا ما أبدوه من الصنائع و الأعمال، و كذلك الأنبياء، صلوات اللّه عليهم، لما أيّدوا بموادّ النفس و العقل، دعوا إلى اللّه، جلّت عظمته، على بصيرة، و كان من استجاب إليهم موفّقا للنجاة في دينه و دنياه، و اللّه أعلم.