رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨ - فصل
و العداوة و أنواع الشر، كما يكون بين أهل المدن الجائرة المتضادّة الطباع، المتنافرة القوى، المتشتتة الآراء، القبيحة الأعمال، السيئة الأخلاق. ثم إن طائفة من أهل تلك المدينة الفاضلة ركبوا البحر فكسر بهم المركب، و رمى بهم الموج إلى جزيرة أخرى فيها جبل و عر، فيه أشجار عالية، و عليها ثمار نزرة، فيها عيون غائرة و مياهها كدرة، و فيها مغارات مظلمة، و فيها سباع ضاربة. و إذا عامّة أهل تلك الجزيرة قردة. و كان في بعض جزائر البحر طير عظيم الخلقة، شديد القوّة، قد سلط عليها في كل يوم و ليلة يكرّ عليهم و يختطف من تلك القردة عدّة. ثم إن هؤلاء النفر الذين نجوا من الغرق تفرّقوا في الجزيرة و في أودية ذلك الجبل يطلبون ما يتقوّتون به من ثمارها، لما لحقهم من الجوع، و يشربون من تلك العيون، و يستترون بأوراق تلك الأشجار، و يأوون بالليل إلى تلك المغارات و يعتصمون بها من الحر و البرد، فأنست بهم تلك القرود و أنسوا بها، إذ كانت أقرب أجناس السباع شبها لصورة الناس، فولعت بهم إناث القردة و ولع بها من كان به شبق، فحبلت منهم و توالدت و تناسلوا و كثروا، و تمادى بهم الزمان، فاستوطنوا تلك الجزيرة، و اعتصموا بذلك الجبل، و ألفوا تلك الحال، و نسوا بلدهم و نعيمهم و أهاليهم الذين كانوا معهم بديّا. ثم جعلوا يبنون من حجارة ذلك الجبل بنيانا، و يتخذون منها منازل، و يحرصون في جمع تلك الثمار و يدّخرها من كان منهم شرها. و صاروا يتنافسون على إناث تلك القرود، و يغبطون من كان منهم أكثر حظّا من تلك الحالات، و تمنوا الخلود هنا، و انتشبت بينهم العداوة و البغضاء، و توقّدت نيران الحرب. ثم إن رجلا منهم رأى، فيما يرى النائم، كأنه قد رجع إلى بلده الذي خرج منه، و أن أهل تلك المدينة لما سمعوا بمجيئه استبشروا، و استقبله خارج تلك المدينة أقرباؤه، فرأوه تد غيّره السفر و الغربة، فكرهوا أن يدخل المدينة على تلك الحال. و كان على باب المدينة عين من الماء، فغسلوه و حلقوا شعره و قصوا