رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٠ - فصل
موجود في التوراة و الإنجيل و صحف الأنبياء الأولين، و إنذارهم أممهم بأمر القيامة و أخبار البعث و النشور و الحشر و الحساب و الميزان و القصاص و الجواز على الصّراط و النجاة من النار و الفوز بالجنة و نعيم أهلها، و النار و أليم عذابها، و ما شاكل ذلك من الأمور المنتظرة في الزمان المستقبل؛ و قد دعينا إلى الإقرار بها و الاستعداد لها، فمن أعرض عنها كلّها حتى لا يعرف من حقائقها حرفا واحدا غير الإقرار باللسان مع حيرة في نفسه و شكوك في قلبه، و مع هذه كلها يدّعي معرفة أسرار الكتب الفلسفية، و رموزات الفلاسفة و تدقيق المعاني التي فيها مع كثرة اختلافاتهم و مناقضات بعضهم لبعض، مع حيرة أتباعهم فيها، و لا ينظر و لا يتفكر أن الأنبياء كلهم، مع تباعد الأزمان فيما بينهم، و مع اختلافات لغاتهم و موضوعات شرائعهم و افتنان سننهم، كيف هم متفقون على رأي واحد و دين واحد و مقصد واحد فيما يشيرون إليه في دعوتهم الأمم إلى أمر الآخرة و أحوال القيامة و جزاء الأعمال فيها، إن خيرا فخيرا و إن شرّا فشرّا.
و قد بيّنا في الرسالة الثالثة الرأي الذي يتفقون عليه، أعني الأنبياء كلهم، و هي اثنتا عشرة خصلة هي العمدة و الأصل فيما يدعون إليه من الدين و إن اختلفت شرائعهم و سننهم، كما ذكر اللّه تعالى فقال: «و أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه» و قال: «لكلّ جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء اللّه» الآية.
فدين الأنبياء دين واحد، و مسلكهم جميعا مسلك واحد، و مقصدهم مقصد واحد و غرض واحد، و إن اختلفت شرائعهم، صلوات اللّه عليهم.
و أما الفلاسفة فليست شريعتهم واحدة، و لا دينهم واحد، فكيف يرضى العاقل عن أسرار كتب الفلاسفة مع اختلافهم، و يعرض عن البحث و عن معرفة أسرار كتب الأنبياء : مع اتفاقها؟
و اعلم أيها الأخ أنه إنما ذهب على أكثر المتفلسفين و الباحثين عن حقائق الأشياء معرفة كتب الأنبياء، عليهم الصلاة و السلام، لتركهم البحث عنها،