رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠٢ - فصل
و لما كان ذلك كذلك، صارت الطبيعة في كل لحظة و في كل وقت من الأوقات، و مع كل حركة من الحركات الزمانية الطبيعية، تظهر شكلا و نوعا و لونا، فغرائبها لا تحصى و عجائبها لا تفنى، و هي تبديها الشيء بعد الشيء بحسب ما يلقى إليها و يفاض عليها من النفس الكلية، و بما يسري فيها من القوى الفلكية، و بما ينزل مع الملائكة الموكّلين بالنشأة الأرضية و الخلقة الجسمانية، فهم المودعو تلك الصور في جواهر الأمهات، المظهرون لها بطبائع الأسطقسات، و متمّمون ما يبدو منها من الحيوان و النبات، فهم بها موكّلون، و لأعمالهم متمّمون، و لكل منهم جزء مقسوم و نصيب معلوم، كما قال اللّه تعالى حكاية عن ملائكته الكرام و جنوده العظام: «و ما منّا إلّا له مقام معلوم». و قال تعالى حكاية عنهم: «و إنا لنحن الصافون و إنّا لنحن المسبحون». و كذلك قيل في الخبر: «إن مع كل قطرة من قطرات الأمطار، و مع كل نقطة من مياه البحار، و مع كل ورقة من أوراق الأشجار، و مع كل ساعة من ساعات الليل و النهار، و مع كل إنسان و حيوان، و مع كل جان و شيطان، ملائكة يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و يفعلون ما يؤمرون، و كل منهم في مقام معلوم، و لهم أفعال تختص بكل واحد منهم مما هو موكّل به».
فلذلك صارت الطبيعة تظهر، على ممر الزمان و تغاير الأيام و مع كل لحظة من لحظات العيان في كل مكان، لونا جديدا، و صارت أعمالها لا تفنى و لا تبيد، و إن ما منها باد بالفساد يكون مكانه مثله بالسواد معاد، فهي قوة صادرة باعثة لما تقدم منها في الوجود كقوة حركة الدولاب التي تبدو أولا عن حركة أولى، و هي الحركة البهيمية المستعملة في آلة الدولاب، و إيصالها من آلة إلى آلة أخرى، حتى تكون مرة حاطة لأواني الدولاب إلى قعر البئر فتملأ، ثم ترفعها إلى علو فيعود منها ما كان ممتلئا فارغا، ثم ممتلئا، فلا تزال كذلك ما دامت الحركة متصلة، فإذا بلغ المحرّك، المستخدم لتلك الدابة