رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٥ - فصل في مهنة النفوس و إخراجها من عالم الأرواح لجناية كانت منها
أن أولئك القوم في الوقت الذي انكسر بهم المركب تراهم بين غائص في الماء أو طائف، أو متعلق بخشبة، أو بحبل، أو يركب بعضهم كتف بعض! يقول كل واحد: نفسي نفسي، من شدة الأهوال، لا يفكّر بغيره و لا يريد النجاة إلّا لنفسه، و لا يهمه سواها، و لا يذكر شيئا مما كان فيه قبلا، فهكذا حال النفوس في هذه الدنيا و كونها مع هذه الأجساد، و ما ابتليت به من ظلمات هذه الأجساد من هموم المعاش، و خوف الجوع، و ألم العطش، و أوجاع الأمراض و الأسقام، و أذيّة الحر و البرد، و فضيحة العري، و أحزان النوائب، و جلّ المخاوف، و عوارض التلف و الحسرات و الأسف.
فمن أجل هذه الشدائد و المصائب صارت النفس لا تذكر شيئا مما كانت فيه من أمر عالمها و مبدئها و معادها كما قال اللّه، جل ذكره: «و إذا ذكّروا لا يذكرون».
و اعلم أيها الأخ أن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة و استيقظت من رقدة الجهالة، و أبصرت ذاتها، و عرفت جوهرها، و أحست بغربتها في عالم الأجسام، و محنتها و غرقها في بحر الهيولى، و أسرها بالشهوات الطبيعية، و عاينت عالمها، و استبان لها فضل نعيمها على اللذات الجسمانية، و تنسّمت بروح عالمها و ريحانها، اشتاقت إلى هناك، و مالت إلى الكون في ذلك العالم، و مقتت الكون مع الأجساد، و زهدت في نعيم الدنيا، و تمنّت الموت الذي هو مفارقة الجسد و الخروج من ظلمة الأجسام، فيكون مثلها عند ذلك كمثل قوم خرجوا من الحبس و المطامير مع ضوء الصبح، فشاهدوا هذا العالم بما فيه دفعة واحدة.
و أما النفوس غير المستبصرة فمثلها كمثل العميان سواء عندهم ضوء النهار و ظلمة الليل.
و اعلم أن النفس إذا لم تستبصر ذاتها، و لم تعرف جوهرها و مبدأها و معادها، و لم تحسّ بغربتها و ما هي عليه في هذه الدنيا من المحنة و البلوى، ما دام يمكنها البحث و الاجتهاد في التعلم و لها تمييز و عقل و حواس صحيحة، و يمكنها