رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤٠ - فصل
للنفس اللاهية و الأرواح الساهية الذين لا معرفة لهم بكيفية الموجودات و لا دراية بسريان الروحانية و لا بما تظهره في عالم الكون و الفساد، فأردنا إعلامهم و إيقافهم على معنى ما خفي عنهم و صعب عليهم.
و اعلم يا أخي أن جميع الأعمال و الصنائع و الحرف و المهن و ما يجري بين الناس من الأخذ و الإعطاء و البيع و الشّرى و الجدل و الكلام و الاحتجاج في الأديان و إقامة الدليل و البرهان، و ما يكون من خرق العادات و قلب الأعيان و تحويل الأشياء بعضها إلى بعض، و مزج بعضها ببعض، فكل ذلك سحر و عزيمة، و العالم كلهم قائمون بعلمه و عمله، و لكن كل عمل يعمل بحسب استطاعته و بلوغ سعيه و ما يجد السبيل إليه بقدرته و طاقته، و كل ذلك بتدبير فلكيّ موجب لكل عاقل ما هو عامل و قائم بسبيله لا يفوته و لا يتعداه ما دام ذلك الحكم مستمرا في مجراه حتى ينتقل منه إلى سواه.
و قد ظن كثير من الناس ممن لا علم لهم و لا معرفة عندهم أن ما يجري في العالم الأرضي و المركز السّفلي لا يكون إلّا منه و لا يظهر إلّا عنه، و قد عدموا معرفة الأصل في ذلك، و لو علموا و تحققوا أن الحركة هي سبب النشوء لبان لهم أن أصل الحركة الدّورية هو الفلك المحيط، و المحرّك له هو النفس الكلية بأمر الباري، جل جلاله، و لذلك أهملوا النظر في علم النجوم و دعاهم جهلهم بمعرفتها إلى الرد على أصحاب العلم، و عادوهم و انحازوا عنهم فانفردوا منهم و نسبوا جميع ما يجري في العالم من الخير و الشر، و العرف و النّكر، و المحمود و المذموم، إلى فعل الباري، سبحانه و أنه هو مريده، و الأمر في حكمة الباري، عزّ اسمه، بخلاف ما ظنوه و غير ما تخيلوه، إذ كان أصل الخلقة خيرا كله، جودا كله، لا تفاوت في خلقه النوراني و فيضه الروحاني.
و قد بيّنا هذا المعنى في الرسالة الجامعة.
و اعلم يا أخي أن معرفة خلق الكواكب على ما وصفتها الحكماء و أخبرت بها العلماء مما ينبغي لك أن تعلمه و لا يسعك أن تجهله، و اعلم أنه العلم الذي