رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٤ - فصل
فما زال كذلك حتى مرّ به مجتاز في الطريق فلما رآه لم يعرفه، فقال له:
ما قصّتك، و لم أنت قاعد في الماء؟ فاستحى منه أن يعرّفه خبره! فقال:
زلقت في مزبلة و تلوثت ثيابي، و أنا قاعد هاهنا منتظر إلى أن يتوجّه إليّ أهلي بثياب ألبسها.
فقال له المجتاز: إن الناس في شغل عنك! فقال: ما الذي أصابهم؟
قال: يقولون إن ابن الملك قد اختطفه الجن البارحة و هم محزونون عليه متوحشون لفقده. فقال له: عندي خبر ابن الملك، فهل لك أن تعيرني ثيابك و دابّتك حتى أمرّ و أبشرهم به، و البشارة بيني و بينك نصفان؟ فدفع الرجل إليه بعض ثيابه، و أركبه دابّته، و أوصله إلى دار الملك، فدخل الغلام متنكرا من باب الحجرة، فلما رأوه فرحوا به و سألوه عن خبره؟ فقال:
القصة طويلة أخبركم بها وقتا آخر، عودوا إلى ما كنتم عليه، فعاد القوم إلى السرور و الفرح أضعاف ما كانوا عليه.
ثم قال الحكيم للفتى: ما تقول و ما ترى، هل ذلك الغلام يريد، بعد ما نجاه اللّه تعالى من مبيته تلك الليلة في الناووس، العود إليه و يشتاق إلى معانقتها، يعني تلك العجوز الميتة، ليلة أخرى؟ قال الفتى: لا! قال الحكيم: فهكذا يرى الحكماء حال النفوس بعد مفارقتها للأجساد و صعودها إلى ملكوت السماء أنها لا تشتاق إلى هذا الجسد و لا تريد العود إليه، بل تأنف من الفكر فيه، و تشمئز من فعله و ذكره كما اشمأزت نفس الغلام من ذكر مبيته في الناووس تلك الليلة و ما عليه من العار عند أبناء الملوك إن عرفوا حديثه.