رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٣ - بيان حقيقة السحر و غيره
و كذلك الكهانة و الزجر و الفال، فإن كل ذلك إنما يوصل إليه و يقدر عليه بعلم النجوم و موجبات الأحكام الفلكية و القضايا السماوية.
و من السحر قلب العيان و خرق العادات. و منه ما يعمل من الخيال و الحكايات و التمثيلات، و منه الدكّ[١] و الشعبذة، و منه البخورات المنتنة التي تجلب الصّرع و البله و الحيرة و ما شاكل ذلك. و هو ينقسم أقساما كثيرة و يتنوع أنواعا شتّى، و يقال عليه في جميع اللغات بأقوال مختلفة قد ذكرتها العلماء و بيّنتها الحكماء. و منه سحر عمليّ و منه سحر علمي، و منه حق و منه باطل. و منه ما رميت به الأنبياء و وسمت به الحكماء. و منه ما يختص بعلمه النساء. و العرب تقول إذا أرادت السّرعة في البيان و إقامة الدليل و البرهان: سحرني فلان بكلامه! و إذا كشف الغطاء و أزال الشّبهة يقول العلماء: أتى بسحر عظيم سحر به العقول. و من ذلك قول النبي، صلى اللّه عليه و سلم، في رجل مدح صاحبا له فصدق، ثم ذمه فصدق في مقام واحد: «إن من الشعر لحكمة و إن من البيان لسحرا» كذلك لما رأت الأمم الماضية و القرون الخالية من الأنبياء ما رأت من المعجزات الباهرات، و الآيات الظاهرات، و البيان اللائح، و الدليل الواضح، سمّوهم سحرة، و وسموا به الحكماء لمّا رأوهم يخبرون بالكائنات فيتكلمون بالإنذارات و البشارات بما يكون في العالم من السرور و الخيرات، و نزول البركات و النّعمات، فنسبوهم إلى الكهانة لما عميت عليهم الأنباء و لم يعرفوا النبوّة و الأنبياء، :، و زعموا أن لهم أصحابا من الجن يأتونهم بأخبار السماء، فيعلمون بذلك ما كان و ما يكون. و قد ذكر اللّه تعالى في كتابه حكاية عن هذه الطائفة ما رميت به الأنبياء من السحر، مثل ما قال فرعون لما جاء موسى، ٧، بالمعجزات لقومه، لما رأى من موسى و هارون:
[١] -الدك: كبس التراب و تسويته، و يراد بها هاهنا ضرب من الشعبذة، لعله تسوية الرمل في الكهانة.