رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٣ - فصل
على درجة طالعه، أو أحد الأوتاد[١] في تحويل السّنين و الشّهور. فقيل لهم:
«فما الدواء النافع فيه و المنجي له؟» فقالوا: «نختار له يوما يكون القمر متّصلا بالسعود، و طالعا جيدا، يكون السعد في الأوتاد، و النّحوس سواقط عنها، و يتحوّل، من ذلك الوقت، من بلد إلى بلد، أو من محلّة إلى محلة، أو من دار إلى دار».
ففعل ذلك، و ما نفع الدواء له! و شاع حديثه في الناس، و تسامعت به الأخبار في البلاد، و صار موضع رحمة بعد أن كان بحال غبطة، و أصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس خائفين أن يصيبهم مثل ما أصابه من البلوى و المحن، و جعل أهل المدينة ليس لهم حديث في مجالسهم و محافلهم إلّا حديثه، و لا عظة إلّا ما أصابه.
فبينما يوما جماعة من جيرانه قعود على الطريق، في حديثه، إذ مرّ بهم رجل يعرف بالناسك- و كان من أهل العلم و الدين و السّرّ، قد رزق العلم و الإيمان- فقيل له: «كيف غمّك على فلان جارك؟» قال: «كغمّ أب مشفق طبيب على ولد عليل.» فقيل له: «و كيف ذلك؟! قال: «لأن عندي تأويل رؤياه و دواء دائه».
فقيل له: «لم لا تقصده و تعرّفه ما عندك؟» قال: «لأنه لا يسمع قولي، و لا يقبل نصيحتي».
فقالوا له: «و لم ذاك؟» قال: «لأن أزهد الناس في علم الرجل جيرانه، و لكن اخبركم أنا، و عرّفوه أنتم، و لا تذكروني عنده، فإني خائف ألا يقبل استصغارا لما أقول، أو يعمل من غير يقين، فلا ينفعه.» قالوا له:
«عرّفنا نسمع ما تقول.» فقال: «أمّا رؤياه البريّة القفرة، فهو براءته
[١] -الاوتاد: المنازل الاربع الرئيسة من الاثنتي عشرة منزلة من منطقة البروج.