رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٧٦ - فصل
و لا يعرفون أخبارهم، و لا يطّلعون على مواليدهم، و لا يعرفون سنيهم في موتاهم، و لهم علوم يتميزون بها و ينفصلون عن العالم بمعرفتها، و أعمال يعملونها لا يشركون فيها غيرهم. و لذلك استحقوا الرئاسة و وسموا بالخلافة، و أنهم لا يبدون عملا من الأعمال، و لا يظهرون فعلا من الأفعال إلّا بمشيئة إلهية و إرادة ربّانية في الوقت الذي ينبغي به إظهار ذلك العلم فيه، و هم أطباء النفوس و مداوو الأرواح.
و إنما أردنا بما بيّناه لك من العلم و العمل و التدبير الذي يذكره أهل هذه الصّناعة، و يصنعون في وقت ابتداء الخلافة و نصب سرير المملكة، و اجتماعهم لذلك، و ادعائهم بما يعملونه، و ترؤسهم بما يصنعونه، و طلب الجوائز و الأموال و الخلع ليعلم أن الملك و الخليفة الذي يستخلف بهذا التدبير هو مملوك و ليس بمالك، و إنما أيّد بتأييد أرضيّ و هو محبوس محجور عليه، و قد سحر بسحر لا ينفك منه و لا يستخرج عنه إلّا بالموت. و قبل ما يتفق في أول تلك المملكة من يكون عنده من هذه المعرفة و صحة الصناعة ما يتدبّر به على الصلاح، و إن اتفق ذلك فإن الزمان لا يتهيأ له على ما يريده من العمل، و إن تهيأ له ذلك خالفه حكم المولد، و إن اتفق ذلك وقع الخلاف و المنازعة من أهل الصناعة، و إذا وقع الاختلاف فسد المختلف فيه.
فقد بان لك بما ذكرنا كيف تكون خلافة اللّه، عزّ و جل، و خلافة خلقه. فإن قال قائل ذلك لا يكون إلّا بأمر اللّه، سبحانه، فقد صدق إذا اتبع فيه المستخلف الأمر الذي يرضي اللّه، عزّ اسمه، و هو الذي من أطاعه فقد أطاع اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع اللّه». و إن عدل عنه إلى ضده فقد خرج من أمر اللّه تعالى و ارتكب نهيه، و نريد أن نبين هذا القول و نوضح هذا المعنى.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه، أن أول خليفة استخلفه اللّه تعالى في أرضه هو آدم، ٧، فلما أمره اللّه تعالى بمخالفة إبليس الذي هو عدوه و ضده