رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦٣ - فصل
ذكاء النفس و صفاء جوهرها و هي الأصل في جميع المعارف. و اعلم يا أخي أن الناس كلّهم في المعارف على أربع منازل: فمنهم من قد رزق العلم و لم يرزق الإيمان، و منهم من رزق الإيمان و لم يرزق العلم، و منهم من قد وفر حظه منهما جميعا، و منهم من قد حرمهما جميعا، و إليهم أشار بقوله تعالى:
«و قال الذين أوتوا العلم و الإيمان لقد لبثتم في كتاب اللّه إلى يوم البعث فهذا يوم البعث و لكنكم كنتم لا تعلمون» فخبّر بهذا عن أشرفهم في المعارف، إذ كان علم البعث و القيامة من أشرف العلوم.
و أما الذين أوتوا الإيمان و لم يرزقوا العلم فهم طائفة من الناس المقرّين بما في كتب الأنبياء، :، من أخبار البعث و أمر المبدإ و المعاد، و أحوال الملائكة و مقاماتهم، و حديث البعث و القيامة و الحشر و النشر، و الحساب و الميزان، و الصراط، و جزاء الأعمال في النشأة الآخرة و نعيم الجنان و ما شاكلها من الأمور الغائبة عن الحواسّ، البعيدة عن تصوّر الأوهام، و هم، مع قلة علمهم، ساكنة نفوسهم بما أخبرت به الأنبياء، و ما أشارت إليه الحكماء من الثّواب في المعاد و نعيم الجنان، و مصدّقون لهم في السرّ و الإعلان، راغبون فيها، طالبون لها، عاملون من أجلها، و لكنهم تاركون البحث عنها و الكشف لها و النظر في حقائقها: كيف؟ و أين؟ و متى؟ و لم؟
و إليهم أشار بقوله: «فسلام لك من أصحاب اليمين» لهم الأمن و اليمن و الأمان و الإيمان.
و أما الذين رزقوا حظّا من العلم و لم يرزقوا الإيمان فهم طائفة من الناس نظروا في كتب الفلاسفة و الحكماء، و بحثوا عنها، و ارتاضوا بما فيها من الآداب مثل الهندسة و التنجيم و الطب و المنطق و الجدل و الطبيعيّات و ما شاكلها، فأعجبوا بها و تركوا النظر في كتب النواميس و التنزيلات النبويّة و البحث عن أسرار الموضوعات الشرعية، و الكشف عن خفيّات الرّموزات الناموسية، فعميت عليهم الأنباء فهم شاكّون في حقائقها، متحيّرون في