رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٤ - فصل في معرفة أفعال العقل
أفعالا كثيرة كما بيّنا في رسالة تركيب الجسد و في رسالة الإنسان عالم صغير.
و اعلم أن جسم العالم كلّه مركب من إحدى عشرة كرة- كما بيّنا في رسالة السناء و العالم- و أن الفلك مقسوم نصفين، و في الفلك اثنا عشر برجا لمسير كواكبه، و ينحط من كل برج ما يسري فيه من قوة كل كوكب ما يكون به ظهور فعل يختص به هو فاعل له و قائم بعمله، كما أن الدائرة الأولى دائرة الفلك المحيط به، و المحرك له النفس الكلية، و فعله الخاص به تدوير ما دونه معه، و الفعل الصادر عنه كون الدوائر على الاستواء في النظام، و هو محيط بها و هي مرتبة في أفقه. و هكذا إلى المراكز: بعضها في جوف بعض. و تنبعث من هذه الكواكب الثابتة تأثيرات و قوى تتصل بما دونها فتودع فيهم الأفعال التي تبدو عنهم، و تظهر منهم في الأوقات التي ينبغي فيها إظهار ذلك بمشيئة اللّه و قدرته.
و اعلم أيها الأخ أن دائرة الشمس في العالم العلويّ دائرة شريفة عظيمة القدر و المنزلة عند اللّه تعالى، و هي بمنزلة القلب في الجسد. و الفلك المحيط كالرأس، و به يدوم دوام الحكمة و من الشمس سريان القوة، و ذلك أنه يتصل بها من النفس الكلية قوة تختص بها و هي المعطية قوة الحياة لجميع الأجسام، و بها يكون صلاح العالم و تمام وجوده و كمال بقائه. و ذلك أنه تنبثّ منها قوّة روحانية يكون بها استواء النظام و قوام الأشياء على أحسن قوام، فيتلألأ العالم و يزهر و هي قنديل النور الذي لا يطفأ، و سراج القدرة الذي لا يخبو، و هي بمنزلة المثل الأعلى في السماوات لأنها أشرف الموجودات السماوية و الأشخاص الفلكية، و قوّتها كمثل الحرارة المنبثة من القلب في جميع أعضاء الجسد، و اختصاص أفعال الحرارة في كل عضو، و يظهر فيه عنها، و يتكوّن فيه منها ما يكون به نموه و بقاؤه و اختلاف ما خرج منه و رجوع ما بدا عنه.
و كذلك أفعال الروحانية الطبيعية تردّ عوضا عما باد و اندرس من العالم فيعود مثله إلى مكانه، و هي مستولية على الأجسام الوضعية و الأكوان