رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠ - فصل
فلا تغترّ بمن لا يريد في معاونته لك إلّا جرّ المنفعة لجسده أو دفع المضرّة عنه.
و اعلم أن كل متعاونين في طلب منفعة مما يكون فيه خوف التلف على جسد أحدهما و سلامة الآخر، فإنه يودّ كل واحد منهما أن يسلم جسده و إن تلف جسم صاحبه، ليفوز هو بتلك المنفعة، و يكون هو المغبوط و صاحبه المغبون الهالك.
و اعلم يا أخي أنه ليس هكذا رأي إخواننا و لا اعتقادهم في معاونة بعضهم بعضا، في طلب صلاح الدين و الدنيا، بل بالعكس من ذلك: و ذلك أن من كرم أخلاقهم و حسن اعتقادهم ما يروى عن الرجل الحكيم الذي كان وزير خيشوان ملك الهياطلة- على ما يحكى عنه في التواريخ- أنه لما قصده فيروز ملك الفرس لقتاله بجموعه، و بلغه الخبر و علم أنه لا يطيق مقاومته، جمع وزراءه و استشارهم في ذلك، فمنهم من أشار عليه بالقتال، و منهم من أشار عليه بالهرب، و منهم من أشار عليه بالحيلة. فقال واحد ممن أشار عليه بالحيلة، و كان رجلا حكيما: أيها الملك عندي حيلة لطيفة إن قبلتها و عملت عليها، نجوت أنت و جيشك و رعيتك، و سلمت بلادك و هلك عدوك. فقال الملك: هلمّ أشر علي برأيك و حكمتك! فقال الحكيم: أخل لي المجلس! ففعل. فقال: الرأي عندي أن تجمع خزائنك و تتوجّه إلى موضع كذا فإنه موضع حريز، و تقوم أنت و جيشك، و تمر إلى موضع كذا و تتركني في مكاني هذا بعد أن تقطع يدي و رجلي، و تسمل عيني، و تظهر الغضب علي، و تقول لمن حولك و لمن ببابك: قد ظهرت مني عليك خيانة و قلة نصيحة، و هذا عقوبة ذلك! ثم ترحل إذا علمت أنه قرب منك ملك الفرس، و تتركني بمكاني، و تنتظر إلى أن تتم حيلتي. فقال الملك: تاللّه ما رأيت و لا ظننت أن أحدا من الناس يسمح بما سمحت به نفسك! قال الحكيم: قد سمح قبلي بمثل ذلك