رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٠ - فصل في ماهية الإخلاص
عليهم فقال: «لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة» فالتوكّل إذا إحدى هذه الخصال التي يبين بها من المؤمن المحقّ.
فصل في ماهية الإخلاص
و من شرائط الإيمان أيضا و خصال المؤمنين الإخلاص في العمل و الدعاء كما أمر اللّه تعالى: «ادعوا اللّه مخلصين له الدين» و قال: «و اعبدوا اللّه مخلصين». فالإخلاص في العمل هو أن لا يطلب بما يعمل جزاء و لا شكورا من أحد من خلق اللّه، مثل إخلاص الوالدين في تربيتهما الأولاد، فإنهما لا يطلبان جزاء و لا شكورا، لأنهما قد علما بأنها واجبة في الجبلة، و مثل إخلاص العبيد الصالحين الذين يخدمون مواليهم من غير خوف من الضرب و لا طلبا للعوض لأنهم قد علموا بأن خدمتهم هي شيء تقتضيه الحكمة و السياسة، كما بيّنا في رسالة السياسيات.
و اعلم يا أخي أن العبد الذي يخدم مولاه، خوفا من الضرب أو طلبا للعوض، عبد سوء، و هكذا من لا يطيع ربه إلّا خوفا من النار أو رغبة في الأكل و الشرب و الجماع في الجنة، فهو أيضا عبد سوء، و العبد السّوء لا يكون مخلصا في الدعاء و لا في العمل.
و أما الإخلاص في الدعاء فلا يكون إلّا عند انقطاع الحيلة و التبري من الحول و القوة. و المثال في ذلك ركّاب البحر، و ذلك أنهم يدعون اللّه و يسألونه السلامة عند دخولهم السفينة، و لكن غير مخلصين لاتكالهم على الربان و الملاحين في حفظها و مراعاتها، و نفوسهم ساكنة هادئة بحضور الربّان و الملاحين، حتى إذا توسّطوا البحر و هاجت الأمواج، و اضطربت المراكب، و دهش الربّان و فزع الملاحون، و أشرفوا على الهلاك، فعند ذلك يدعون اللّه مخلصين له الدين، لأنهم قد علموا أنه لا يقدر أحد من خلق اللّه على