رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٢٠ - فصل
فصل
و مثل آخر في كيفية قبول الإنسان إلهام الملائكة، فنقول: إن العلماء ذكروا أن العلوم ثلاث مراتب: أولها الرياضيات و بعدها الطبيعيات و بعدها الإلهيات فمن ابتدأ أولا بتعلم الرياضيات و أحكمها كما ينبغي، سهل عليه تعلّم الطبيعيات، و من أحكم الطبيعيات كما ينبغي، سهل عليه تعلم الإلهيات.
فهكذا نقول من يريد أن يهذّب نفسه و يهيئها لقبول إلهام الملائكة إذا ابتدأ أولا فأصلح أخلاقه الرديئة التي نشأ عليها منذ الصبا، ثم سار سيرة عادلة في متصرّفاته كما رسم له في الشريعة، ثم نظر في العلوم الحسّيّة فأحكمها كما يجب، مثل ما ذكرنا في رسالة الحاسّ و المحسوس، ثم نظر في الأمور العقلية فأحكمها كما يجب ليحل بها عن ضميره، و الآراء الفاسدة التي اعتقدها قبل البحث عن حقائق الأشياء، كما بيّنا في رسالة العقل و المعقول. فأقول: إن نفسه عند ذلك متهيئة لقبول إلهام الملائكة. و كلما زاد في المعارف استبصارا، صارت نفسه لقبول إلهام الملائكة أسهل طبعا، و لطاعة العقل أشدّ تشبّها، و إلى السمائية أقرب قربة، و إنما يمنعها عن الصعود إلى ملكوت السماء نوازع طبيعة الجسد ما دامت تتعلق به. فإذا فارقته عند الممات كانت هناك في طرفة عين مع أبناء جنسها ممن مضى على سنن الهدى كما قال تعالى: «و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم» الآية. و كما قلنا في النفوس الإنسانية إنها تنتقل إلى رتبة لملائكة، فهكذا نقول أيضا في نفوس الملائكة إنها تترقى في درجات الجنان و مقاماتها في المعارف كما ذكر اللّه تعالى: «و ما منا إلّا له مقام معلوم و إنا لنحن الصافون و إنا لنحن المسبحون» و قال تعالى: «يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب و يرجون رحمته». و كما قلنا في تنقّل نفوس الإنسانية إلى الملائكة، كذلك نقول في النفوس الحيوانية إنها ستنتقل إلى الرتبة الإنسانية على ممرّ الدهور و الأزمان، كما بيّنا في رسالة الأدوار و الأكوار.