رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٢١ - فصل
ثم اعلم أن أحقّ النفوس الحيوانية أن تنتقل إلى رتبة الإنسانية هي الشقيّة في أيدي البشر، المسخّرة للإنسان، المتعبة في خدمته، المنقادة لطاعته؛ كما أن أحق النفوس الإنسانية أن تنتقل إلى رتبة الملائكة هي النفوس المتعوبة في التعبد، المنقادة لأحكام الشريعة، الخادمة في الهياكل و المساجد و البيع و الصّلوات و الصّوم و القرابين و الدعاء و التألّه، كما ذكر اللّه تعالى بقوله:
«إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر».
و اعلم أن من الموجودات ما هو أجسام بلا أرواح لا معارف لها و لا شعور كالحجارة و الخشب و غيرهما. و منها ما هو أرواح لا أجساد لها، و هي علّامة كالملائكة. و منها ما هي مركّبة مؤلّفة منهما جميعا كالحيوان.
و اعلم أن الحيوانات متفاوتة في شعورها و معارفها: و ذلك أن منها ما له حاسة واحدة، و منها ما له حاستان، و منها ما له ثلاث حواسّ، و منها ما له أربع حواس، و منها ما له خمس حواس، كما بيّنا في رسالة الحيوانات.
و هكذا أيضا الناس متفاوتون في معارفهم و علومهم: و ذلك أن من الناس عقلاء و بلهاء، و من العقلاء علماء و جهلاء. و العلماء متفاوتون في درجات العلوم:
و ذلك أن منهم من يحسن عدة علوم، و منهم من هو أكثر منه، و منهم دون ذلك. و أن المفيدين في العلوم يتفاوتون في درجاتهم: و ذلك أن منهم من تكون معلوماته كلها جسمانية، و منهم من تكون معلوماته روحانية.
و اعلم أن كل عالم تكون أكثر معلوماته روحانية فهو إلى الملائكة أقرب نسبة. و من أجل هذا جعل اللّه طائفة من بني آدم واسطة بين الناس و بين الملائكة، لأن الواسطة هي التي تناسب أحد الطرفين من جهة، و الطرف الآخر من جهة: و ذلك أن الأنبياء، :، كانوا يناسبون الملائكة بنفوسهم و صفاء جوهرها، و من جهة أخرى كانوا يناسبون الناس بغلظ أجسامهم.