رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤١٩ - فصل
و جعلته أرفع المنازل في الطبائع المعدنيّة و صيّرت صناعته أكبر الصنائع المهنيّة الأرضيّة.
و قال أفلاطون: إني أرسلت نفرا من أصحابي نحو الهند فذكروا أنهم سقطوا في بلاد خفيفة طيّبة، فأعجبهم ذلك، و ذكروا أن أهل هذه الأرض طوال الأعمار، قليلو الأمراض، صحيحو الأجسام، و ليس فيها حر شديد و لا برد شديد، معتدلة أقسامها، مستو نظامها، و أن المزاج لا يفسد فيها سريعا، فعلمنا أن ذلك المكان خطّ الاستواء و معدن الذهب.
و من هذا القول قال الحكماء لما ذكروا جنّة الفردوس، و ذكروا أنها مرتفعة من الأرض طول ثلث السماء، و أنه ليس بها حرّ و لا برد، و لا رطب و لا يبوسة، و لا ما يختلف و لا ما يختلط، إنها مستقيمة في كل شيء، مقدّرة لمسكن من أكرمه اللّه تعالى. و لذلك قال جالينوس و أصحابه: إن الجسم ما دام معتدل المزاج، مستقيم الطالع، يكون ذا مكث في الدنيا و استقرار فيها. و النفس الساكنة إذا كانت عارفة بباريها مقرّة بتوحيده، عادلة في حكوماتها، فهي ساكنة في جنّة الفردوس بالقوّة، فإذا فارقت الجسد وصلت إليها. و لذلك استعمل هو و أصحابه صناعة الطبّ و استعجلوا صلاح أجسامهم و قالوا: ما دام الإنسان مستقيم المزاج لا يزيد بعضه على بعض، فهو صحيح لا يدخل السّقم عليه و لا يصل الألم إليه، و صلح أن يكون من ساكني الفردوس، و ذو المرض و الألم لا يكون ساكنها.
و نعود إلى ما كنا فيه و نقول: لا تشبّه جنّة الفردوس بالشمس لأنها ليس لها من فعلها موت و لا مرض و لا فساد، و أنها حياة العالم فهي الماسكة لكل جسد و لونها إلى الحمرة و طعمها إلى الحلاوة. و قال: إنّا تعلّمنا منها عمل حمرة، ثم حللنا منها لونين، يعني من الحجر المختص بها، و كتبنا به كتابا و صنعنا منه خاتما للملوك و تاجا لهم.